لا يحتاج الحزب الذي يقود الحكومة إلى خطاب طويل كي يكشف جزءاً من مزاجه السياسي. أحياناً تكفي لائحة وكلاء اللوائح لتقول ما لا تقوله البلاغات: من بقي داخل الحسابات، ومن خرج منها بهدوء، ومن نُقل من دائرة إلى أخرى كقطعة انتخابية في رقعة شطرنج مفتوحة على كل الاحتمالات.
المعطيات التي نشرها موقع “أشكاين”، الجمعة 5 يونيو 2026، حول دفعة جديدة من وكلاء لوائح حزب التجمع الوطني للأحرار للانتخابات التشريعية المقبلة، لا تبدو مجرد خبر تنظيمي عادي.
إنها إشارة مبكرة إلى الطريقة التي يريد بها الحزب ترتيب بيته قبل موعد انتخابي حساس، خصوصاً أنه يدخل المرحلة المقبلة بصفته الحزب القائد للحكومة، لا مجرد فاعل يبحث عن موقع داخل الخريطة.
اللائحة المعلنة تكشف أن “الأحرار” لم يختر القطيعة الكاملة مع وجوهه الحالية، ولم يذهب أيضاً نحو إعادة إنتاج نفس الأسماء كما هي.
اختار صيغة وسطى: الإبقاء على بعض البرلمانيين، وتعويض آخرين، ونقل أسماء من دوائر إلى أخرى. هذه ليست فقط تقنية انتخابية، بل رسالة سياسية داخلية تقول إن التزكية لم تعد، على الأقل في الظاهر، شيكاً مفتوحاً إلى ما لا نهاية.
جهة طنجة تطوان الحسيمة قدمت واحدة من أوضح الصور. دائرة وزان انتقلت إلى وزير الفلاحة أحمد البواري عوض النائب الحالي عبد الرحمن العمري، بينما جرى ترشيح هذا الأخير في شفشاون.
أما طنجة أصيلة، فأسندت لعبد الواحد بولعيش بدل الحسين بن الطيب. بهذا المعنى، نحن أمام تبديل مواقع لا أمام تجديد كامل، وكأن الحزب يحاول الجمع بين رمزية الوجوه الجديدة وخبرة الأسماء التي لا يريد إخراجها نهائياً من المشهد.
جهة فاس مكناس بدورها حملت مفاجأة لافتة في دائرة مكناس، حيث اختار الحزب أحمد الطاهري وكيلاً للائحته بدل البرلماني الحالي بدر الطاهري.
التغيير هنا يفتح باب التأويل السياسي والتنظيمي، لأن أسماء العائلات والامتدادات المحلية داخل الانتخابات المغربية لا تكون دائماً تفصيلاً بسيطاً، بل كثيراً ما تعكس توازنات دقيقة بين النفوذ المحلي، والحساب الحزبي، وقابلية الاسم لجمع الأصوات.
أما جهة الشرق، فبدت أكثر حساسية. غياب أسماء برلمانية مثل محمد هوار عن وجدة أنجاد، ومحمادي توحتوح عن الناظور، ومحمد جمال الدين عن فجيج، دون إعلان إعادة ترشيحهم ضمن هذه الدفعة، يطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الرسائل التي توجهها قيادة الحزب في هذه الجهة.
صحيح أن اللائحة ليست نهائية، لكن الصمت في السياسة قد يكون أحياناً أقوى من الإعلان.
جهة الدار البيضاء سطات سجلت بدورها تغييرات بارزة، خاصة في سيدي البرنوصي ومديونة والفداء مرس السلطان، مع الحفاظ على أسماء أخرى داخل مواقعها.
هذا المزج بين الاستمرارية والتغيير يعكس، على ما يبدو، رغبة الحزب في تحيين واجهته الانتخابية دون المجازفة بتفكيك كامل شبكته المحلية، خصوصاً في جهة انتخابية ثقيلة مثل الدار البيضاء سطات.
وفي مراكش آسفي، اتسعت دائرة التبديلات لتشمل عدداً من الدوائر، من جيليز النخيل إلى المنارة وسيدي يوسف بن علي وشيشاوة والحوز وآسفي والصويرة.
هنا تظهر ملامح هندسة انتخابية أوسع، لا تكتفي بتغيير الأسماء، بل تعيد توزيع المواقع داخل جهة ذات حساسية سياسية وسياحية واجتماعية خاصة.
القراءة الأولى تقول إن حزب التجمع الوطني للأحرار يريد أن يقدم نفسه كحزب يجدد نخبه ويضخ أسماء جديدة في السباق. لكن القراءة الثانية، الأكثر برودة، تقول إن الأمر قد يكون أيضاً محاولة لترميم الواجهة قبل معركة انتخابية صعبة، بعد ولاية حكومية لم تمر دون كلفة سياسية واجتماعية.
فالحزب الذي يقود الحكومة لا يبدل أسماءه فقط من أجل الجمال التنظيمي، بل يفعل ذلك أيضاً حين يشعر بأن بعض الوجوه صارت عبئاً انتخابياً أو لم تعد قادرة على حمل المرحلة المقبلة.
المثير أن هذا التجديد لا يطال الخطاب بقدر ما يطال الوجوه. والسؤال السياسي الحقيقي هنا لا يتعلق بمن سيحمل رمز الحزب في هذه الدائرة أو تلك، بل بما إذا كان تغيير وكلاء اللوائح يعني تغييراً في طريقة الإنصات للناس، وفي فهم الغضب الاجتماعي، وفي قراءة المزاج الشعبي بعد سنوات من ارتفاع الأسعار وتآكل الثقة في الوعود الكبرى.
الأحرار يفتحون ورش اللوائح مبكراً، وهذا في حد ذاته اعتراف بأن معركة 2026 لن تكون سهلة. فالتزكيات لم تعد مجرد إجراء انتخابي، بل صارت اختباراً لصورة الحزب، ومرآة لطريقة تدبيره لعلاقته بالبرلمانيين، والمنتخبين، والناخبين أيضاً.
قد تكون القيادة مقتنعة بأنها تمارس تجديداً ضرورياً. وقد يرى آخرون أن ما يجري ليس سوى إعادة توزيع للمقاعد داخل نفس المنطق الانتخابي القديم.
وبين القراءتين، تبقى الحقيقة الأهم أن الناخب لم يعد يكتفي بتغيير الوجوه على الورق، بل ينتظر تغييراً يلمسه في السياسة، في الأسعار، في الخدمات، وفي احترام الوعود.
لذلك، فإن لوائح الأحرار لا تعلن فقط أسماء مرشحين. إنها تفتح نقاشاً أوسع حول حزب يريد أن يدخل الانتخابات المقبلة بوجه جديد، لكنه سيجد نفسه مطالباً بالإجابة عن سؤال أقدم وأثقل: هل يكفي تغيير وكلاء اللوائح لتغيير صورة حزب يقود الحكومة؟
