بقلم: الباز عبدالإله
في أدبيات السياسات العمومية، يُستدعى “المستقبل” غالباً عندما يضيق الأفق بالحاضر؛ ليس باعتباره امتداداً طبيعياً للتخطيط، بل كمساحة مريحة لتأجيل الأسئلة الصعبة.
هذا المعطى يطلّ مجدداً مع إعلان تكوين 150 ألف خريج في أفق 2030 لمواكبة “تحديث” القطاع الفلاحي.
وهو هدف، رغم بريقه الطموح، يفتح نقاشاً يتجاوز لغة الأرقام إلى ماهية “الهروب بالزمن”؛ فهل أصبح الاستثمار في الغد وسيلة تقنية لتعويض غياب الأجوبة عن إكراهات اليوم؟
خلال فعاليات الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، وضعنا وزير الفلاحة، أحمد البواري، أمام هندسة جديدة تقوم على ربط التكوين بسوق الشغل والرقمنة.
غير أن هذا الطرح يطرح سؤالاً “مفخخاً” حول الجدوى: هل الكفاءة وحدها قادرة على استنبات القيمة في أرض يعتصرها العطش وتكبلها سلاسل التوزيع المعقدة؟ إن إطلاق جيش من المهندسين في بيئة تعاني من “عطش بنيوي” واختلالات في السوق تلتهم جهد المنتج وجيب المستهلك، قد لا يعدو كوننا نعدّ “نخبة تقنية” لتأطير أزمة، بدل حلها.
لقد انتقلت السياسات الفلاحية عبر العقدين الأخيرين من عناوين إلى أخرى، ومن “مخطط” إلى “جيل”.
غير أن هذا التراكم في التسميات لم يقدم حتى الآن “جرد حساب” صريحاً لما تحقق فعلاً على مستوى الأمن الغذائي الحقيقي للمواطن، بعيداً عن أرقام التصدير ومنطق العملة الصعبة.
وهنا تبرز المفارقة: هل نحن أمام تراكم فعلي في السياسات، أم أننا بصدد “إعادة تدوير” للأهداف السابقة ضمن قوالب زمنية أبعد؟ فالتكوين، في غياب بيئة اقتصادية تحمي الفلاح الصغير من “تغول” الوسطاء، قد يتحول إلى قناة إضافية لإنتاج “بطالة مؤهلة” تُضاف إلى قوائم الانتظار، ولكن بملفات تقنية هذه المرة.
الأخطر في هذا المسار هو تحويل “أفق 2030” إلى ما يشبه “الحصانة الزمنية”؛ حيث تُطرح المشاريع ممتدة لسنوات بعيدة، مما يمنح الفاعل السياسي صكاً للمساءلة المؤجلة.
المستقبل هنا يتحول من “رؤية” إلى “أداة تخدير”؛ فبينما يغرق الحاضر في أسئلة عاجلة حول أسعار اللحوم والخضار، وانهيار الدخل الفلاحي المعيشي، تأتي الأجوبة الحكومية بصيغة “المستقبل الرقمي”.
وكأن المطلوب من المواطن أن يقايض معاناته اليومية بوعد تقني يتحقق بعد عقد من الزمن.
إن التوجه نحو 2030 يظل مشروعاً، لكنه يفقد مصداقيته حين يُستخدم كبديل عن المحاسبة المرحلية.
فبناء فلاحة تنافسية لا يمر فقط عبر تخريج الآلاف، بل عبر تفكيك بنى “الريع” في سلاسل التوزيع، وضمان عدالة مائية لا تضحي بالأمن الغذائي للمغاربة من أجل “منتجات ترفيهية” للتصدير.
لا يُقاس نجاح السياسات بما تعد به في “الكتيبات الملونة” للعام 2030، بل بما تنجزه فعلياً في “قفة” المواطن اليوم.
المستقبل الذي لا يُحاسب الحاضر، لا يصنع تنمية… بل يراكم الوهم بشكل مؤجل.
