بقلم: الباز عبدالإله
في خرجة إعلامية لم تخلُ من لغة الصدمة، اختار إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن ينقل المعركة من “مربع الأحزاب” الضيق إلى “دهاليز المؤسسات” الفسيحة.
لم يكن دفاعه عن البيت الاتحادي مجرد رد فعل على انتقادات التدبير الحزبي، بل كان هجوماً استراتيجياً وضع الإصبع على واحدة من أكثر القضايا حساسية في تدبير الشأن العام المغربي، والمتعلقة بـ”خلود” المسؤولين في كراسي القرار الاقتصادي.
بلهجة حادة، تساءل لشكر عن الجدوى من محاسبة الأحزاب على ديمقراطيتها الداخلية، في حين تظل “صنابير الثروة” ومراكز القرار الاقتصادي والشركات العمومية الاستراتيجية، التي تدير مليارات الدراهم سنوياً، تحت رحمة وجوه لم تتغير منذ عقود.
ولم يكن الرقم “50 سنة” الذي ألقاه لشكر مجرد استعارة، بل كان إحالة صريحة على واقع يطرح علامات استفهام حول دينامية التجديد داخل بعض دواليب القرار الاقتصادي.
فبينما يُطالب الفاعل الحزبي بتجديد نُخبه عقب كل استحقاق انتخابي، يبدو أن جزءاً من “الإدارة الاستراتيجية” يعيش خارج منطق التداول، في مفارقة تُعيد طرح سؤال توازن السلطة بين المنتخب والمُعيَّن.
تأتي هذه الرسائل في توقيت حساس تمر فيه المملكة بمخاض إصلاحي، من تنزيل مخرجات النموذج التنموي الجديد إلى التحضير لاستحقاقات 2026، وهو ما يمنح تصريح لشكر بعداً يتجاوز السجال الحزبي نحو مساءلة أعمق لبنية اتخاذ القرار.
فالدعوة إلى توسيع مفهوم “ربط المسؤولية بالمحاسبة” لتشمل المؤسسات العمومية لا تبدو معزولة عن نقاش عمومي آخذ في الاتساع حول نجاعة الحكامة وضرورة ضخ دماء جديدة داخل المرافق التي تشرف على قطاعات حيوية.
قد يقرأ البعض هذه الخرجة باعتبارها محاولة لإعادة توجيه الأنظار بعيداً عن التحديات الداخلية للحزب، غير أن مضمونها يتقاطع مع أسئلة حقيقية يطرحها واقع التدبير العمومي، خاصة في ظل مطالب متزايدة بإنهاء ما يوصف بـ”الاحتكار الوظيفي” داخل بعض المؤسسات.
فبين واجهة سياسية تتغير دورياً، وعمق إداري يبدو أكثر ثباتاً، يظل النقاش مفتوحاً حول حدود الإصلاح الممكن داخل منظومة تتداخل فيها الاعتبارات التقنية بالرهانات السياسية.
إن جوهر النقاش لم يعد في من يقود الحكومة، بل في من يمسك فعلياً بمفاتيح “مكائن” الدولة، حيث تُصنع القرارات بعيداً عن حرارة الصناديق.
وبين واجهة سياسية تتغير كل ولاية، وعمق إداري ثابت يكاد لا يهتز، يتعاظم السؤال: هل نحن أمام دولة تُحاسِب منتخبين… وتُحصّن مُعيّنين؟ أم أن لحظة فتح هذا الملف ما تزال مؤجلة إلى إشعار آخر؟
