خلف اللغة المؤسساتية الهادئة التي يتحدث بها الوزير بنسعيد، وخلال البت في التعديلات والتصويت على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بلجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، يختبئ زلزال تنظيمي يضرب أساسات “السلطة الرابعة” في المغرب؛ فالمشهد الحالي لا يقدم لنا مجرد تعديل تقني، بل يضعنا أمام هندسة جديدة لقطاع يُراد له أن يكون “منظماً” أكثر مما يُراد له أن يكون “مستقلاً”.
لقد كان الرهان دائماً على أن الصحافي هو الوحيد القادر على تقويم ذاته عبر آلية الانتخاب، لكن اليوم، ومع بروز مفهوم “الانتداب” كبديل للاقتراع، يجد القارئ نفسه أمام مفارقة وجودية: كيف يمكن لهيئة تهدف لتكريس الديمقراطية في الفضاء العام أن تستغني عنها في بيتها الداخلي؟ إن تصريحات الوزير حول “التكامل المؤسساتي” تفتح باباً واسعاً للتأويل حول ما إذا كان جسد الصحافة المغربية قد أصبح “عليلاً” إلى حد يحتاج فيه إلى “وصاية” تنظيمية لضمان استمراريته، أم أن الانتخابات المهنية أفرزت في السابق نتائج لم تعد تتناسب مع الإيقاع المطلوب للمرحلة القادمة.
وفي ذات السياق، تبرر الحكومة خطواتها بضرورة سد “الفراغ القانوني” كذريعة تقنية، لكن السؤال الذي يفرضه الواقع بجرأة هو: هل الفراغ هو الذي صنع الأزمة، أم أن الأزمة صُنعت لتبرير ملء الفراغ بصيغ معينة وجاهزة؟ فعندما نلغي “التمثيلية” من قاموس المجلس ونحصرها في النقابات، فنحن لا نفصل المهام فحسب، بل نحن “نُقزّم” من سلطة المجلس المعنوية، ليتحول من “برلمان للصحافيين” إلى مجرد “إدارة” لتسيير البطاقات والنزاعات، بلا أنياب حقيقية للدفاع عن استقلالية المهنة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الإصرار على إبقاء مفهوم “الصحافي” عائماً في النصوص الجديدة ليس مجرد سهو تشريعي، ففي لغة القانون، الغموض هو “شيك على بياض” يمنح السلطة مرونة في فرز الحقل الإعلامي وإعادة ترتيبه، مما يطرح تساؤلاً حارقاً: هل ستصبح البطاقة المهنية مستقبلاً صكّ اعتراف يُمنح وفق معايير “الامتثال التنظيمي” بدلاً من “الاستحقاق الميداني”؟
إن الخطورة في هذا المسار لا تكمن فقط في تغيير “قواعد اللعبة” داخل المجلس، بل في أثرها الممتد على الأجيال القادمة من الصحافيين.
ففي الوقت الذي يواجه فيه الإعلام تحديات وجودية تفرضها الثورة الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، كان يُنتظر من هذا الإصلاح أن يحرر الطاقات المهنية ويبني “حصانة” ذاتية للجسم الصحفي.
لكن، وبدلاً من تقوية مناعة المهنة من الداخل عبر تمكين الصحافيين من اختيار ممثليهم، يبدو أننا نتجه نحو نموذج أقرب إلى “صحافة مؤطرة” تتحرك داخل دوائر مرسومة سلفاً.
وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز النص القانوني: أي صورة سنقدمها لصحافي الغد؟ هل سنقدم له نموذجاً مهنياً مستقلاً يستمد قوته من اعتراف أقرانه، أم فاعلاً مهنياً تصبح بطاقته المهنية أشبه بـ”ترخيص” يخضع لمعايير تتغير بتغير قواعد التنظيم؟
إن ما يحدث اليوم هو تمرين هادئ في “إعادة هندسة السلطة” داخل الحقل الإعلامي، حيث يدرك القارئ الفطن أن المسألة ليست في من يجلس على كرسي المجلس، بل في من امتلك القدرة على سحب الكرسي من تحت صناديق الاقتراع.
وبين معارضة تخشى على المسار الديمقراطي، وحكومة ترفع شعار “النجاعة” لتجاوز “البلوكاج”، يظل الرهان الحقيقي معلقاً: هل نحن أمام عملية إنقاذ لقطاع يحتضر، أم أنها عملية “إعادة توجيه” هادئة لما تبقى من سلطة رابعة، عبر تحويلها من “شريك في القرار” إلى “مخاطب تحت الطلب”؟ إذا كان المجلس “ليس حكومة للصحافيين” كما رُوج له، فمن هي الجهة التي ستمتلك حق “الفيتو” على شرعية وجود الصحافي في المستقبل؟ الاستنتاج هنا لا يحتاج لبيان، بل يحتاج فقط للقليل من التأمل في المسافة الفاصلة بين “التنظيم” و”الاحتواء”.
