بقلم: الباز عبدالإله
تحت قبة البرلمان، لم تكن عبارة النائبة نبيلة منيب “واش حنا غير كنحطو فالبوسطة؟” مجرد استعارة لغوية عابرة، بل كانت توصيفاً ميكانيكياً دقيقاً لواقع العمل المؤسساتي في نسخته الحالية.
فالتشبيه هنا لا يحيل فقط على بطء المساطر، بل يختزل اختلالاً أعمق في دينامية التفاعل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، حيث تتحول المبادرة التشريعية، في بعض الأحيان، إلى مجرد “إيداع شكلي” داخل صندوق لا يضمن مساراً واضحاً للمعالجة.
هذا التساؤل يعيدنا إلى المربع الأول حول طبيعة “المسافة” الفاصلة بين مقترحات القوانين التي تودعها المعارضة، وبين مسار البرمجة الذي تتحكم في خيوطه الحكومة.
فحين يُطرح ملف “تضارب المصالح” أو “العفو العام” كمقترحات قوانين، فإن المسألة تتجاوز الصراع السياسي التقليدي، لتطرح علامة استفهام كبرى حول المعايير التي تجعل قانوناً ما “أولوية” وآخر “مؤجلاً إلى إشعار آخر”.
ومن زاوية دستورية، يتيح الفصل 82 من الدستور إطاراً لتقاسم برمجة العمل التشريعي بين الحكومة والبرلمان، غير أن تنزيل هذا المقتضى في الممارسة يظل محط نقاش، خاصة عندما يبدو أن زمام المبادرة يميل عملياً نحو الجهاز التنفيذي.
وهو ما يطرح سؤال التوازن: هل نحن أمام توزيع مرن للاختصاصات، أم أمام هيمنة ناعمة تعيد ترتيب أولويات التشريع وفق أجندة حكومية خالصة؟
إن غياب بعض هذه الملفات عن أجندة اللجان الدائمة يفتح الباب للتساؤل عما إذا كانت هناك كوابح غير معلنة تجعل من بعض المواضيع “مناطق محظورة” تشريعياً.
ويتعزز هذا الإحساس مع ما أشارت إليه صاحبة المداخلة من تراكم أسئلة كتابية دون أجوبة، في وضعية تضع المقتضى الدستوري الذي يجعل الجواب حقاً للنائب وواجباً على المسؤول أمام اختبار الفعالية. ففي لغة السياسة، قد يكون “الصمت” في حد ذاته جواباً بليغاً، لكنه جواب لا يعزز بالضرورة منسوب الثقة.
وصف انتظارات المغاربة بأنها ليست “ترفاً” يضعنا أمام مرآة كاشفة؛ فالفارق بين ما يعتبره الفاعل السياسي “ثانوياً” وما يراه المواطن “مصيرياً” هو الخيط الرفيع الذي يحدد مستوى الثقة في المؤسسات.
تجاهل مقترحات القوانين المرتبطة بالحكامة والشفافية قد يُقرأ كاختيار تقني لترتيب الأولويات، لكنه في الآن ذاته يثير تساؤلاً مشروعاً حول جدوى “صندوق البريد” البرلماني إذا كان يعمل في اتجاه واحد فقط.
إن هذه “البوسطة” البرلمانية ليست مجرد صورة بلاغية، بل دعوة صريحة لإعادة التفكير في قنوات الاشتغال المؤسساتي، وفي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع بين المبادرة التشريعية والبرمجة الحكومية.
فإذا كان البرلمان هو “قلب” الحياة السياسية، فإن “شرايين” التواصل مع الحكومة يجب أن تظل مفتوحة، دون انتقائية قد تُفرغ الأدوار الرقابية والتشريعية من مضمونها.
إن معضلة هذا “البريد” المفقود لا تكمن في صمت الحكومة فحسب، بل في التكلفة السياسية لهذا الصمت على المدى البعيد. فبينما تُهمل مقترحات القوانين في ردهات الانتظار، يتسع الشرخ بين ما يُطبخ في مكاتب “المشور السعيد” وما تضج به قبة البرلمان.
لنجد أنفسنا اليوم أمام مفارقة لافتة: الرسائل وصلت فعلاً، لكن يبدو أن هناك إرادة واضحة لإبقاء الصناديق مغلقة… إلى إشعار آخر.
