بقلم: الباز عبدالإله
ليست الهجرة، في قراءة البنك الدولي الأخيرة عن المغرب، مجرد قصة شباب يبحثون عن مستقبل أفضل خارج البلاد، إنها، في العمق، مرآة اقتصادية واجتماعية تعكس سؤالاً أكثر حساسية: لماذا يعجز الاقتصاد الوطني عن الاحتفاظ بجزء من كفاءاته، رغم اتساع الاستثمار في التعليم والتكوين والبنيات التحتية؟
في تقريره الصادر يوم 28 أبريل 2026 تحت عنوان “Scaling the Atlas – Growth and Jobs for a Prosperous Morocco”، يضع البنك الدولي ملف هجرة الكفاءات المغربية ضمن سياق أوسع يرتبط بالنمو والشغل وجودة إدماج الشباب والنساء في سوق العمل، التقرير لا يتحدث بلغة سياسية صاخبة، ولا يطلق أحكاماً جاهزة، لكنه يقدم أرقاماً كافية لفتح نقاش ثقيل حول الكلفة الصامتة لهجرة الرأسمال البشري المغربي،
حسب التقرير، ارتفع عدد المهاجرين المغاربة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD من 1.5 مليون سنة 2000 إلى 3.2 ملايين سنة 2020، الرقم وحده لا يكفي لفهم الظاهرة، لأن الأهم هو تركيبة هذا الرصيد البشري: 29 في المائة منهم شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، و57 في المائة في سن النشاط الأساسية بين 15 و44 سنة، بمعنى آخر، لا يتعلق الأمر فقط بهجرة أسرية أو اجتماعية، بل بخروج كتلة عمرية توجد في قلب القدرة على الإنتاج والابتكار والعمل،
الأكثر حساسية في التقرير أن البنك الدولي يتحدث عن وجود مؤشرات على “هجرة أدمغة”، فحسب المعطيات نفسها، كان أكثر من ربع المغاربة في سن العمل الحاصلين على تعليم عالٍ، أي 26.1 في المائة، يعيشون ويعملون داخل دول OECD سنة 2020، وهذه النسبة تكاد تكون ضعف المسجلة لدى ذوي المهارات المتوسطة، وثلاثة أضعاف تقريباً مقارنة بذوي المهارات المنخفضة،
بهذه اللغة الباردة، يقول التقرير شيئاً شديد الوضوح: كلما ارتفع مستوى التعليم، ارتفعت قابلية الهجرة، فحامل شهادة جامعية، حسب تقديرات التقرير، يكون أكثر قابلية للهجرة بـ1.8 مرة مقارنة بمن يتوفر على مستوى ثانوي، وبـ2.9 مرة مقارنة بمن يصنف ضمن العمالة الأقل تأهيلاً، وهنا يتحول السؤال من “لماذا يهاجر المغاربة؟” إلى سؤال أعمق: ماذا يقدم سوق الشغل المغربي للمتعلم حتى يبقى؟
الهجرة لا تحدث في الفراغ، البنك الدولي يربطها بمحدودية الفرص داخل سوق العمل المحلي، وببحث الشباب عن تحقق مهني ودخل أفضل في الخارج، وهذا التشخيص يضع المغرب أمام مفارقة صعبة: الدولة تستثمر في المدرسة والجامعة والتكوين، لكن جزءاً من العائد البشري لهذه الاستثمارات يجد مساره النهائي خارج الاقتصاد الوطني، أو داخل اقتصاد وطني لا يعرف كيف يستوعبه،
غير أن التقرير يضيف بعداً آخر إلى هذا النقاش، إذ يشير إلى أن الهجرة، رغم ما قد تمثله من فرصة فردية للترقي الاجتماعي والمهني، لا تعني بالضرورة استعمالاً أفضل للكفاءات في الخارج، فجزء من الرأسمال البشري المغربي، بحسب قراءة البنك الدولي، قد لا يجد بدوره توظيفاً كاملاً لمؤهلاته بعد الهجرة، بسبب ما يعرف بظاهرة خفض المهارات، أي اشتغال أشخاص يتوفرون على مؤهلات علمية أو مهنية عالية في وظائف لا تستدعي فعلياً ذلك المستوى من التأهيل،
وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة عميقة: فالكفاءة المغربية قد لا تجد موقعها المناسب داخل سوق الشغل الوطني، ثم لا تستفيد بالضرورة من كامل إمكاناتها في أسواق العمل الخارجية، وبذلك لا يتعلق الأمر فقط بهجرة كفاءات، بل أيضاً بإهدار مزدوج لقيمة التعليم والتكوين؛ مرة حين يعجز الاقتصاد المحلي عن استيعاب المؤهلين، ومرة أخرى حين تضطر بعض هذه الكفاءات إلى الاشتغال في وظائف أقل من مستوى تكوينها الفعلي،
ومع ذلك، لا يقدم التقرير الهجرة باعتبارها خسارة مطلقة، فهو يقر بأن لها وجهاً آخر يمكن أن يتحول إلى مكسب إذا أُحسن تدبيره، فالهجرة قد تشجع الشباب على الاستثمار في التعليم، وقد تساهم تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج في تحسين مستوى عيش الأسر، كما يمكن لشبكات الجالية أن تنقل المعرفة والخبرة والابتكار عبر العودة، أو الاستثمار، أو بناء شراكات مهنية واقتصادية عابرة للحدود،
غير أن تحويل الهجرة من نزيف محتمل إلى رافعة تنموية يتطلب سياسة عمومية دقيقة، فالأمر لا يتعلق فقط باستقبال التحويلات المالية، بل ببناء آليات تسمح بتشجيع الهجرة الدائرية، والاعتراف بالمهارات المكتسبة في الخارج، وتوجيه الخبرات والشبكات المهنية نحو قطاعات منتجة، وبذلك لم يعد كافياً النظر إلى الجالية المغربية باعتبارها خزاناً للتحويلات، بل باعتبارها رصيداً معرفياً واقتصادياً يمكن أن يساهم في تحديث النسيج الإنتاجي الوطني،
لكن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بكيفية الاستفادة من الكفاءات بعد هجرتها، بل بكيفية استبقائها قبل أن تغادر، فإذا ظل سوق الشغل عاجزاً عن خلق وظائف ذات جودة، وإذا استمرت الفجوة بين الشهادة وفرص العمل، وإذا بقيت المقاولات غير قادرة على توفير مسارات مهنية جاذبة، فإن الهجرة ستظل بالنسبة إلى جزء من الشباب خياراً عقلانياً أكثر من كونها قراراً استثنائياً،
وتلتقي الأرقام التي يقدمها البنك الدولي مع سؤال اجتماعي يتردد داخل الأسر والجامعات والفضاءات العامة: لماذا يبدو المستقبل في الخارج أكثر وضوحاً من المستقبل في الداخل؟ هذا السؤال لا يمكن أن تجيب عنه الخطابات العامة، بل تجيب عنه الأجور، وجودة العمل، وعدالة الفرص، وشفافية التوظيف، وقدرة الاقتصاد على الانتقال من نموذج يستوعب عدداً محدوداً من الكفاءات إلى نموذج يحتاج فعلاً إلى المعرفة والمهارة والإنتاجية،
في المحصلة، لا يختزل تقرير البنك الدولي الهجرة المغربية في صورة كارثة مطلقة، كما لا يقدمها باعتبارها فرصة صافية، لكنه يضع أمام المغرب معادلة دقيقة: بلد يراكم رأسمالاً بشرياً متعلماً، لكنه لا يستفيد منه بالقدر الكافي، وإذا كان المغرب يطمح إلى الانتقال من نمو محدود الأثر الاجتماعي إلى نمو منتج لفرص الشغل، فإن معركة الكفاءات ستكون إحدى المعارك المركزية في المرحلة المقبلة،
فالدولة التي تكوّن ولا تستوعب، تدفع جزءاً من مستقبلها إلى الخارج، والدولة التي لا تحول جاليتها إلى قوة معرفة واستثمار، تظل تتعامل مع الهجرة كتحويلات مالية فقط، بينما جوهر المسألة أعمق بكثير: كيف يمكن للعقل المغربي أن يبقى مرتبطاً ببلده، سواء عاد إليه فعلياً، أو ساهم في تنميته من موقعه داخل العالم؟
