وجّه الإعلامي توفيق بوعشرين انتقاداً حاداً إلى كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، على خلفية واقعة تقديم صليب مصنوع من خشب العرعار، أنجزته أيادٍ حرفية مغربية من الصويرة، إلى الكنيسة الأرثوذكسية في العاصمة اليونانية أثينا.
الواقعة جرت في سياق ندوة دولية مرتبطة بحوار الحضارات، نظمتها كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية بشراكة مع سفارة المملكة المغربية في اليونان، كما رافقها حديث رسمي عن “صليب الصويرة” باعتباره عملاً رمزياً يعكس قيم التعايش والانفتاح.
لكن بوعشرين قرأ الواقعة من زاوية مغايرة تماماً، واعتبر أن الأمر لا يتعلق بمجرد هدية بروتوكولية أو قطعة فنية من الصناعة التقليدية، بل برسالة رمزية شديدة الحساسية، تطرح سؤالاً مباشراً حول حدود الانفتاح، وحدود المجاملة الدبلوماسية، وحدود التعامل مع الرموز الدينية.
وبنبرة حادة، استعمل بوعشرين في تعليقه وصفاً ساخراً وقاسياً في حق السعدي، حين تحدث عن “الوزير الملقب بمهبول أنا”، حسب تعبيره، قبل أن يتساءل عن معنى أن يذهب مسؤول حكومي إلى اليونان حاملاً صليباً من خشب العرعار، صنع في الصويرة، ليُهدى إلى رجال دين مسيحيين باسم التعايش وحوار الأديان.
وبحسب بوعشرين، فإن السؤال ليس موجهاً ضد المسيحيين، ولا ضد الحوار بين الأديان، ولا ضد الانفتاح على العالم، بل ضد ما اعتبره ارتباكاً في فهم معنى الرمز الديني.
فالصليب، في نظره، ليس قطعة خشبية عادية، ولا تحفة سياحية محايدة، بل رمز عقائدي واضح داخل المسيحية، وله في الوجدان الإسلامي حساسية خاصة ترتبط بالآية القرآنية: “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم”.
ومن هنا طرح بوعشرين سؤاله الأكثر إثارة: كيف يمكن أن يُطلب من حرفي مغربي مسلم في الصويرة أن يصنع صليباً للمسيح عليه السلام، ثم ينهض بعد الصلاة ويقرأ القرآن الكريم الذي ينفي واقعة الصلب كما تفهمها العقيدة المسيحية؟ وهل صارت صناعة الصلبان حرفة جديدة داخل الصناعة التقليدية المغربية؟
في قراءة بوعشرين، المشكلة ليست في الصويرة كمدينة للتعدد، ولا في الحرفيين الذين نفذوا عملاً وُضع في سياق رسمي، بل في المسؤول السياسي الذي اختار الرمز والرسالة والسياق.
فالوزير، حين يتحرك خارج البلاد، لا يمثل نفسه ولا ذوقه الشخصي، بل يمثل دولة ومجتمعاً وذاكرة دينية وثقافية لها حساسيتها.
واعتبر بوعشرين أن الصناعة التقليدية المغربية لها تاريخ عميق وطابع ثقافي وروحي خاص، يرتبط بالزخرفة، والخشب المنقوش، واللباس، والنحاس، والجلد، والملحون، والزجل، والمديح، والتقاليد الصوفية، ولا تحتاج إلى صناعة صلبان كي تثبت للعالم أنها منفتحة.
كما شدد على أن الحوار بين الأديان لا يعني خلط الرموز العقائدية أو تحويلها إلى هدايا بروتوكولية. فالتعايش، في رأيه، يقوم على احترام كل دين داخل خصوصيته، لا على إدخال الرموز في ما يشبه “مولينيكس” رمزي يذيب الفوارق بين الإسلام والمسيحية واليهودية باسم خطاب غامض عن “الأديان الإبراهيمية”.
وذهب بوعشرين إلى أن مثل هذه المبادرات قد تعطي مفعولاً عكسياً داخل المجتمع، خصوصاً لدى الفئات المحافظة التي قد تشعر بأن رموزها الدينية لا تحظى بما يكفي من الاحترام أو التقدير من طرف بعض المسؤولين الحكوميين. فالقضية، في نظره، ليست مجرد صليب من خشب العرعار، بل مؤشر على خفة في التعامل مع الرموز، وعلى ضعف في الوعي السياسي والثقافي لدى من يفترض أنهم يمثلون البلاد في الخارج.
وفي السياق نفسه، استحضر بوعشرين عبارة منسوبة إلى الملك الراحل الحسن الثاني، مفادها أنه “لا توجد وزارة صغيرة وأخرى كبيرة، بل يوجد وزراء صغار ووزراء كبار”، تاركاً للمشاهدين، كما قال، أن يضعوا لحسن السعدي في الخانة التي يستحقها داخل هذا التصنيف.
بهذا المعنى، لم يكن تعليق بوعشرين مجرد هجوم على واقعة معزولة، بل كان محاولة لطرح سؤال أوسع: هل يدرك بعض المسؤولين المغاربة ثقل الرموز التي يستعملونها خارج البلاد؟ وهل يعرفون أن الدبلوماسية الثقافية ليست استعراضاً للانفتاح بأي ثمن، بل فناً دقيقاً يقوم على احترام الذات قبل محاولة إرضاء الآخر؟
فالمغرب، كما يمكن أن يُفهم من كلام بوعشرين، ليس بلداً منغلقاً، ولا يحتاج إلى دروس في العيش المشترك. تاريخه اليهودي والإسلامي، ومدنه العتيقة، وصناعته التقليدية، وموقعه المتوسطي والإفريقي، كلها عناصر تكفي لتقديم صورة بلد منفتح وعريق. لكن الانفتاح، حين يقترب من الرموز الدينية دون تقدير كافٍ، قد يتحول من رسالة تعايش إلى سؤال محرج عن حدود الوعي داخل المسؤولية الحكومية.
صار “صليب العرعار” في خطاب بوعشرين أكثر من مجرد قطعة خشبية صنعتها أنامل حرفيين من الصويرة، بل عنواناً لما سماه، بسخرية واضحة، “دبلوماسية الصلبان”، وسؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كانت بعض المبادرات الرسمية تصنع التقارب فعلاً، أم تصنع فقط جدلاً جديداً في بلد لم يعد ينقصه المزيد من سوء التقدير.
