بقلم: الباز عبدالإله
حين يقول محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، إن “جا الوقت ديال التغيير”، فهو لا يطلق مجرد عبارة انتخابية عابرة، بل يضع نفسه وحزبه داخل لحظة سياسية مفتوحة على سؤال كبير: من يحاسب من؟ المواطن الذي يذهب إلى الصندوق، أم المعارضة التي توجد أصلاً داخل البرلمان وتمتلك أدوات المساءلة؟
حسب معطيات إعلامية متداولة، قدّم أوزين، على هامش لقاء تواصلي بالرباط، الخطوط العريضة لما سماه “التعاقد الحركي”، باعتباره “البديل الحركي” الذي يقترحه حزب السنبلة لمعالجة هواجس وانتظارات المغاربة، معتبراً أن الإجراءات التي يحملها هذا التصور عملية وعلمية، ولا تحتاج إلى تمويل ضخم بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية قوية.
في ظاهر الخطاب، تبدو الرسالة واضحة: خمس سنوات تكفي للحكم على الحصيلة، والمواطن مدعو إلى مراجعة أثر السياسات العمومية على حياته اليومية وقدرته الشرائية، ثم اتخاذ موقفه في الاستحقاقات المقبلة.
غير أن قوة هذا الخطاب لا تكتمل إلا حين ينتقل السؤال من المواطن إلى البرلمان، ومن صندوق الاقتراع إلى قاعة المساءلة.
فالمحاسبة ليست موعداً انتخابياً فقط، ولا شعاراً يرفع عند اقتراب الحملات. المحاسبة ممارسة سياسية ومؤسساتية يومية، تبدأ من الأسئلة الشفوية والكتابية، وتمر عبر اللجان الدائمة، وتصل إلى لجان تقصي الحقائق حين يتعلق الأمر بملفات ثقيلة تمس جيوب المواطنين وثقتهم في تدبير المال العمومي.
هنا تحديداً يعود ملف ما سمي إعلامياً بـ“الفراقشية” إلى الواجهة، ليس بوصفه ملفاً قطاعياً مرتبطاً بدعم استيراد المواشي فقط، بل باعتباره امتحاناً حقيقياً لفكرة ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فقد تحركت مكونات من المعارضة، بينها الحركة الشعبية، في اتجاه المطالبة بلجنة نيابية لتقصي الحقائق حول الدعم الموجه لاستيراد المواشي، قبل أن يصطدم هذا المسار بحسابات العدد وبموقف الأغلبية.
المفارقة أن الملف الذي أثار غضباً واسعاً في الشارع، بسبب سؤال الأسعار ومن استفاد فعلاً من الدعم، لم يتحول إلى لحظة محاسبة سياسية مكتملة داخل البرلمان.
فبين مطلب لجنة تقصي الحقائق، التي تحتاج إلى ثلث أعضاء مجلس النواب، وبين اختيار الأغلبية المرور عبر مهمة استطلاعية أخف وزناً من الناحية الرقابية، بقي السؤال الكبير معلقاً: هل أُريد فعلاً كشف الحقيقة كاملة، أم جرى تدبير الملف بأقل كلفة سياسية ممكنة؟
صحيح أن المعارضة لا تملك وحدها مفاتيح العدد داخل المؤسسة التشريعية، ولا تستطيع فرض لجنة تقصي الحقائق دون شروطها الدستورية والسياسية، لكن ذلك لا يعفيها من سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا فعلت بعد تعثر المبادرة؟ هل رفعت سقف المواجهة السياسية؟ هل حولت الملف إلى معركة رأي عام؟ هل واصلت تتبع مصير المهمة الاستطلاعية؟ وهل شرحت للمواطن، بوضوح، أين انتهت محاولة المحاسبة؟
حين يدعو أوزين المغاربة إلى “استفتاء رؤوسهم” والتصويت على من يثقون بهم، فإن المواطن من حقه أيضاً أن يستفتي ذاكرته.
ماذا وقع في ملف دعم المواشي؟ من طرح السؤال؟ من عرقل الجواب؟ ومن قبل بأن تتحول المحاسبة من لجنة تقصي حقائق إلى مهمة استطلاعية قد لا تملك نفس الوزن السياسي ولا نفس الأثر المؤسساتي؟
ليس المطلوب هنا تبخيس مبادرة المعارضة، ولا إنكار أنها حاولت فتح الملف، المطلوب هو الذهاب أبعد من الخطاب العام. لأن المواطن الذي سمع كثيراً عن الغلاء، والدعم، والوسطاء، والأسعار التي لا تنخفض، لم يعد يكتفي بسماع عبارة “جا الوقت ديال التغيير”.
هو يريد أن يعرف أيضاً: أين كانت أدوات الرقابة؟ وأين توقفت؟ ومن منعها؟ ومن قبل بهذا التوقف؟
بهذا المعنى، يصبح “التعاقد الحركي” أمام اختبار مزدوج. من جهة، عليه أن يقدم بديلاً واضحاً ومفصلاً لا يكتفي بلغة الإرادة السياسية. ومن جهة ثانية، عليه أن يشرح كيف سيتصرف الحزب مستقبلاً حين تصطدم المحاسبة بجدار الأغلبية، وحين تتحول الملفات الكبرى إلى صراع بين من يريد لجنة تقصي ومن يفضل مهمة استطلاعية.
فالبلاد لا تحتاج فقط إلى أحزاب تقول للمواطنين إن عليهم أن يحاسبوا، تحتاج أيضاً إلى معارضة تثبت أنها مارست المساءلة حين كانت داخل البرلمان، وأنها لم تنتظر لحظة الانتخابات كي تكتشف أن القدرة الشرائية موجوعة، وأن الأسعار أثقلت الأسر، وأن الثقة لا تُستعاد بالوعود وحدها.
قد يكون أوزين محقاً حين يقول إن خمس سنوات كافية للحكم على الحصيلة، لكن هذه السنوات نفسها كافية أيضاً للحكم على أداء المعارضة.
فالمواطن سيحاسب الحكومة على ما أنجزت أو لم تنجز، لكنه سيحاسب المعارضة كذلك على ما كشفت وما سكتت عنه، وما حاولت فتحه وما تركته يبرد في رفوف البرلمان.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد خطاب “التعاقد الحركي” ليس فقط: هل جاء وقت التغيير؟ بل أيضاً: هل جاءت لحظة محاسبة الجميع؟ الحكومة على حصيلتها، والأغلبية على حمايتها السياسية، والمعارضة على قدرتها على تحويل الغضب الشعبي إلى مساءلة مؤسساتية لا تنتهي عند حدود التصريحات.
