بقلم: الباز عبدالإله
أعادت البرلمانية فاطمة التامني النقاش حول الغلاء إلى مربعه السياسي والقانوني، بعدما وجهت انتقاداً حاداً للحكومة بسبب ما اعتبرته تعطيلاً للمادة 4 من قانون حرية الأسعار والمنافسة، وهي المادة التي تمنح للسلطة الحكومية إمكانية التدخل في الأسواق حين تتحول الأسعار إلى مجال للمضاربة والاحتكار والرفع غير المبرر.
التامني لم تتعامل مع المادة 4 باعتبارها تفصيلاً تقنياً داخل قانون المنافسة، بل قدمتها كاختبار حقيقي لإرادة الحكومة في حماية المواطنين، معتبرة أن هذه المادة ليست “زواقاً تشريعياً”، بل أداة قانونية واضحة كان يمكن أن تستعملها الحكومة عندما تتحول السوق إلى “غابة للنهب والاحتكار والمضاربة”، حسب تعبيرها.
وفي تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع فيسبوك، كتبت فاطمة التامني، بنبرة سياسية حادة، ما يلي:
“حكومة تحمي لوبيات الغلاء بدل حماية المغاربة… والمادة 4 حبر على ورق !!؟
المادة 4 من قانون حرية الأسعار والمنافسة ليست “زواقاً” تشريعياً، كما هو الحال مع الحكومة. إنها أداة قانونية واضحة تمنح للحكومة صلاحية التدخل عندما تتحول السوق إلى غابة للنهب والاحتكار والمضاربة. لكن حكومة المليارديرات اختارت أن تدفن هذه المادة عمداً، لأن تفعيلها يعني الاصطدام بلوبيات المحروقات والوسطاء والمحتكرين الذين راكموا أرباحاً خيالية على حساب تجويع المغاربة.
اليوم، ومع كل مناسبة دينية أو اجتماعية، يتكرر نفس السيناريو: ارتفاع صاروخي للأسعار، فوضى في الأسواق، مضاربات علنية، وغياب تام لأي تدخل حقيقي للدولة.
وعلى مقربة عيد الأضحى، تحولت معاناة الأسر المغربية إلى سوق مفتوح للابتزاز، بينما رئيس الحكومة يواصل الصمت وكأن الأمر لا يعنيه.
أي حكومة هذه التي تتحدث عن “الدولة الاجتماعية” بينما تترك المواطنين تحت رحمة تجار الأزمات؟
وأي احترام للقانون حين يتم تجاهل المادة 4 فقط لأنها قد تمس مصالح المحظوظين وحيتان الاحتكار؟
الحكومة لا تعاني من نقص في النصوص، بل من غياب الإرادة السياسية.
تعرف من يضارب، تعرف من يحتكر، تعرف من يلهب الأسعار… لكنها ترفض المواجهة، لأن من يراكمون الأرباح الفاحشة ليسوا غرباء عن دوائر النفوذ والقرار.
قدرة شرائية منهارة، طبقة متوسطة تُسحق، وفقراء يُدفع بهم نحو مزيد من الهشاشة، مقابل أقلية تستثمر في الأزمات وتراكم الثروات من عرق ومعاناة المغاربة.
حين يصبح القانون معطلاً أمام أصحاب النفوذ، فالمشكل لم يعد فقط في الأسعار… بل في طبيعة السلطة التي تحمي المستفيدين من الغلاء بدل حماية المواطن / ة.”
هذه التدوينة، بما تحمله من حدة سياسية واضحة، تعيد طرح سؤال قديم جديد: هل المشكل في المغرب هو غياب القوانين، أم غياب الإرادة في استعمالها حين تقترب من مصالح قوية ومتشابكة؟.
فالتامني تقول إن الحكومة لا تعاني من نقص في النصوص، بل من غياب الإرادة السياسية. وهذه العبارة تختصر جوهر النقاش، لأن المادة 4 موجودة، والقانون موجود، وآليات التدخل موجودة، لكن المواطن لا يرى أثرها إلا متأخراً، أو لا يراها أصلاً حين يكون في مواجهة موجات الغلاء المتكررة.
وبالنسبة للتامني، لا يتعلق الأمر بارتفاع عابر في الأسعار، بل بنمط يتكرر مع كل مناسبة دينية أو اجتماعية ترتفع الأسعار، تتوسع المضاربات، تتحرك الأسواق بمنطق الفوضى، ثم يجد المواطن نفسه وحيداً أمام ما تسميه “تجار الأزمات”، بينما تظل الحكومة في موقع المتفرج أو المتدخل المتأخر.
وتزداد حساسية هذا النقاش مع اقتراب عيد الأضحى، حيث تتحول الأضحية، بالنسبة لعدد كبير من الأسر، من شعيرة دينية واجتماعية إلى عبء مالي ثقيل، في ظل قدرة شرائية منهكة، وطبقة متوسطة تتآكل، وفئات فقيرة تُدفع نحو مزيد من الهشاشة.
الأخطر في تدوينة التامني أنها لا تقف عند حدود الأسعار، بل تربط الغلاء ببنية السلطة والقرار. فهي تعتبر أن تجاهل المادة 4 لا يمكن فصله عن حضور “لوبيات المحروقات والوسطاء والمحتكرين”، وعن شبكة مصالح قادرة، حسب تعبيرها، على مراكمة أرباح كبيرة في لحظات الأزمات.
هنا يتحول النقاش من سؤال اقتصادي إلى سؤال سياسي: من يحكم السوق فعلياً؟ القانون أم النفوذ؟ المؤسسات أم اللوبيات؟ المواطن أم من يملكون القدرة على تحويل الأزمات إلى أرباح؟.
وإذا كانت الحكومة ترفع شعار “الدولة الاجتماعية”، فإن تدوينة التامني تضع هذا الشعار أمام امتحان مباشر. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد البرامج المعلنة، ولا بكثافة الخطاب الرسمي، بل بقدرتها على حماية المواطن حين يصبح الغذاء، والمحروقات، والأضحية، وباقي المواد الأساسية، موضوعاً للمضاربة والرفع المتكرر في الأسعار.
كما أن السوق الحرة لا تعني ترك المواطنين تحت رحمة الأقوى. فحرية الأسعار والمنافسة تفترض وجود منافسة حقيقية، وشفافية، ومراقبة، وتدخلاً مؤسساتياً حين تتحول الحرية إلى فوضى، وحين تصبح الندرة المصطنعة وسيلة للربح على حساب جيوب المواطنين.
من هذه الزاوية، تبدو المادة 4 أكثر من مجرد بند قانوني. إنها مرآة لطبيعة العلاقة بين الحكومة والسوق والمواطن. فإذا كانت الحكومة تملك سلطة التدخل ولا تستعملها في الوقت المناسب، فإن السؤال لا يعود قانونياً فقط، بل يصبح سؤالاً عن ترتيب الأولويات: حماية المواطن أولاً، أم عدم إزعاج أصحاب المصالح الكبرى؟.
تدوينة فاطمة التامني جاءت بلغة قاسية، لكنها تلتقط إحساساً اجتماعياً متزايداً لدى فئات واسعة من المغاربة، مفاده أن القانون يكون قوياً حين يواجه الضعفاء، ومتردداً حين يقترب من دوائر النفوذ والاحتكار.
ولهذا، فإن النقاش حول المادة 4 ليس نقاشاً قانونياً بارداً، بل هو نقاش حول العدالة في السوق، وحول معنى الدولة، وحول حدود الصبر الاجتماعي في بلد يواجه فيه المواطن الغلاء بالقلق، والوعود الحكومية بالشك، والقانون بسؤال بسيط: لماذا لا يُفعّل حين نحتاجه فعلاً؟.
