أعاد الدكتور يحيى اليحياوي فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية داخل بنية الإدارة العليا بالمغرب، حين تحدث عن مسؤولين تم تعيينهم في مناصب سامية قبل سنوات طويلة، ثم ظلوا على رأسها إلى اليوم، كما لو أن الزمن الإداري توقف عند أسمائهم.
ليست المسألة، في عمقها، هجوماً على أشخاص، ولا تبخيساً لمسارات مهنية راكمت تجربة وخبرة داخل مؤسسات حساسة، بل هي سؤال سياسي وإداري مشروع حول حدود الاستمرارية، ومعنى التداول، ومتى تتحول الثقة من فضيلة في التدبير إلى باب مغلق أمام تجديد النخب.
في تدوينته، استعرض اليحياوي أمثلة لمسؤولين عمروا طويلاً في مواقع استراتيجية، من الإعلام العمومي إلى الذاكرة الوطنية، ومن مجلس الجالية إلى المؤسسات العلمية، ومن الفوسفاط والسكك الحديدية إلى بنك المغرب ومراكز التفكير والدراسات، وهي لائحة، كما يقول صاحبها، ليست نهائية، لكنها تكفي لطرح السؤال.
السؤال هنا لا يتعلق بمدى كفاءة هذا المسؤول أو ذاك، بقدر ما يتعلق بمنطق عام يجعل بعض المناصب العليا أقرب إلى إقامة إدارية طويلة الأمد، لا تخضع في نظر الرأي العام لدورة واضحة من التقييم والتجديد والتداول.
الدفاع عن هذا النمط معروف ومتداول: هؤلاء راكموا التجربة، يعرفون أسرار الدولة، يحظون بالثقة، ويمثلون ضمانة للاستمرارية داخل قطاعات حيوية.
قد تكون لهذه الحجج وجاهتها في حالات معينة، وقد تحتاج بعض المؤسسات فعلاً إلى استقرار في القيادة خلال مراحل دقيقة، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين يصبح طول البقاء في المنصب مؤشراً على قوة الشخص أكثر مما هو دليل على قوة المؤسسة.
الدولة الحديثة لا تبنى فقط على رجال الثقة، بل على مؤسسات قادرة على إنتاج الثقة.
ولا تقوم فقط على خبرة الأشخاص، بل على أنظمة تنقل الخبرة، وتورثها، وتختبرها، وتفتح المجال أمام كفاءات جديدة كي تتحمل المسؤولية.
حين يبقى مسؤول واحد على رأس مؤسسة عشرين سنة أو أكثر، فالمشكل لا يكون بالضرورة في المسؤول نفسه، بل في المؤسسة التي لم تنتج بديلاً واضحاً، وفي الإدارة التي لم تهيئ مساراً طبيعياً للتداول، وفي منظومة القرار التي فضلت الاطمئنان إلى المعروف على المغامرة المحسوبة مع التجديد.
هنا بالضبط تصبح التدوينة أكثر من مجرد لائحة أسماء ومناصب.
إنها تفتح نقاشاً حول علاقة الدولة بالزمن، وحول الفرق بين الاستمرارية كحكمة إدارية، والخلود الوظيفي كعلامة ارتباك سياسي ومؤسساتي.
فالقانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا جاء لتأطير مبادئ التعيين ومعاييره، وربطها بالكفاءة والاستحقاق والشفافية وتكافؤ الفرص، غير أن النقاش الذي يطرحه اليحياوي ينتقل من سؤال التعيين إلى سؤال ما بعد التعيين.
هنا يبرز سؤال ما بعد التعيين: مدة البقاء في المنصب، وآليات تقييم الحصيلة، وحدود التجديد، والفرق بين الاستمرارية المنتجة والجمود الذي يكشف عجز المؤسسة عن إنتاج خلف طبيعي.
الأخطر في طول البقاء أنه يصنع مع الزمن طبقات من النفوذ والعلاقات والاعتياد، حتى يصبح النقد صعباً، والمراجعة محرجة، والمحاسبة ثقيلة، لأن المسؤول لا يعود في المخيال الإداري مجرد مدير، بل يتحول إلى جزء من صورة المؤسسة نفسها.
ومن هنا جاءت قسوة توصيف اليحياوي، حين تحدث عن مسؤولين لم يعودوا فقط يديرون قطاعات، بل صاروا، في لغة نقدية حادة، أشبه بأصحاب إقطاعيات رمزية داخل الدولة، قبل أن يصل الوصف إلى عبارة أكثر إيلاماً: “فراقشية المناصب العليا”.
هذا التعبير، رغم حدته، يكشف حجم القلق من تحول المنصب العمومي إلى موقع مغلق، لا ينافس فيه المسؤول إلا الزمن، ولا يخرجه منه إلا قرار نادر أو ظرف استثنائي.
غير أن النقاش، حتى يكون مفيداً، ينبغي ألا يسقط في شخصنة مفرطة، لأن المشكلة أعمق من الأسماء.
المشكلة في غياب قاعدة واضحة تجعل البقاء الطويل قابلاً للتبرير العلني، وتجعل التجديد ممكناً دون أن يبدو وكأنه عقوبة، وتجعل مغادرة المنصب جزءاً عادياً من الحياة الإدارية لا نهاية مأساوية لمسار مسؤول.
المناصب العليا ليست جوائز نهاية المسار، ولا ملكيات رمزية داخل الدولة، بل مسؤوليات عمومية يفترض أن تخضع للتقييم والتجديد والمساءلة.
والدولة التي تؤمن بالمؤسسات لا تخاف من تغيير الرجال، لأنها تعرف أن قوة المؤسسة تظهر عندما تستمر بعد مغادرة من قادوها.
أما الدولة التي تخشى تبديل الوجوه، فهي تعترف من حيث لا تدري بأن مؤسساتها ما زالت أضعف من أشخاصها.
لذلك تبدو تدوينة اليحياوي مرآة محرجة لسؤال لم يعد ممكناً تأجيله: هل نملك مؤسسات تنتج النخب وتداولها، أم أننا نكتفي برجال يطول مقامهم حتى ننسى أن المناصب، في الأصل، ليست سكناً إدارياً دائماً، بل تكليف مؤقت باسم المصلحة العامة.
