بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد المطر في المغرب مجرد ظاهرة طبيعية ينتظرها الناس بفرح، بل صار أيضاً مقياساً قاسياً لنجاح أو فشل منظومة التدبير المحلي للماء، ففي إقليم بولمان، وتحديداً في ميسور وسيدي بوطيب، تعيش ساكنة واسعة مفارقة موجعة، موسم ممطر مر من هنا، لكن أثره لم يصل بعد إلى صنابير عدد من البيوت.
القضية عادت إلى الواجهة بعدما وجّه رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالين كتابيين إلى كل من وزير التجهيز والماء ووزير الداخلية، حول الانقطاعات المتكررة والطويلة للماء الصالح للشرب في جماعتي ميسور وسيدي بوطيب بإقليم بولمان، وما يرافق ذلك من معاناة حقيقية للأسر، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف.
السؤال البرلماني لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء كتنبيه سياسي إلى وضع لم يعد يحتمل التجميل، فحين تعرف المنطقة تساقطات مطرية، وتستمر في الوقت نفسه الانقطاعات، يصبح المشكل أعمق من ندرة الموارد، ويدخل مباشرة إلى منطقة التدبير، والتخطيط، وصيانة الشبكات، وتأخر المشاريع الحيوية.
الأكثر إيلاماً أن السلطات العمومية بالإقليم تلجأ، حسب مضمون السؤال، إلى تزويد عدد من الدواوير بالماء الشروب عبر الصهاريج المتنقلة، وهي مجهودات ثمّنها حموني، لكنها تبقى محدودة أمام حجم الخصاص والطلب، فالصهريج قد يطفئ عطشاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع أمناً مائياً، ولا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن شبكة قادرة على إيصال الماء إلى البيوت بانتظام.
هنا تظهر المفارقة الكبرى، المطر نزل، لكن الماء انقطع، والسماء أدت دورها، لكن الأنابيب، والمشاريع، والشبكات، والتخطيط، لم تؤد الدور المطلوب بالسرعة والنجاعة نفسها.
ويزداد الملف حساسية حين يشير السؤال البرلماني إلى مشروع تزويد مدينة ميسور بالماء الصالح للشرب انطلاقاً من سد الحسن الثاني بميدلت، وهو مشروع تقول المعطيات الواردة في السؤال إنه لا يزال يعرف تأخرات وتعثرات، رغم توفر الدراسات منذ سنوات، وهنا لا يعود الأمر مجرد تأخر تقني، بل يتحول إلى كلفة اجتماعية تدفعها الأسر من راحتها وحقها اليومي في الماء.
فكل سنة ضائعة في مشروع مائي حيوي تعني صيفاً آخر من القلق، وصنبوراً آخر بلا ماء، وأسرة أخرى تنتظر شاحنة التزويد كما لو أنها طوق نجاة، والسياسات العمومية لا تقاس فقط بعدد الدراسات المنجزة، بل بقدرتها على تحويل تلك الدراسات إلى أنابيب، ومحطات، وشبكات، وماء يصل فعلاً إلى المواطن.
ولا يقف الخلل عند تأخر المشاريع الكبرى، بل يمتد أيضاً إلى ضياع نسبة مهمة من المياه داخل شبكات التوزيع، خاصة بمدينة ميسور، بسبب الأعطاب التقنية والحاجة إلى استثمارات عاجلة في الصيانة والإصلاح، وهذه نقطة أساسية، لأن أخطر ما في أزمة الماء أن يكون المورد نادراً، ثم يضيع جزء منه في الطريق قبل أن يصل إلى الصنابير.
لهذا يصبح السؤال الحقيقي مرتبطاً بقدرتنا على حفظ الماء وتوزيعه بعدالة وكفاءة، لا فقط بوجود الماء في السدود أو في التساقطات الموسمية.
فالماء الذي يتسرب من الشبكات ليس مجرد خسارة تقنية، بل فشل صغير يتكرر يومياً، ويتحول مع الوقت إلى عطش كبير في بيوت المواطنين، وحين لا تتم صيانة الشبكات في الوقت المناسب، فإن كل قطرة ضائعة تصبح دليلاً على أن الأزمة ليست فقط في الطبيعة، بل في طريقة تدبير ما تمنحه الطبيعة.
رشيد حموني وضع الحكومة أمام سؤال مباشر حول التدابير الاستعجالية الواجب اتخاذها لضمان الأمن المائي بمدينة ميسور وجماعة سيدي بوطيب، وبإقليم بولمان عموماً، وتفادي انقطاع الماء الشروب، غير أن هذا السؤال، في عمقه، يتجاوز الجواب الإداري المعتاد، لأنه يضع وزارتي التجهيز والماء والداخلية أمام امتحان التنسيق والنجاعة والسرعة.
فالداخلية معنية بالتدبير الترابي والقرب من الساكنة، ووزارة التجهيز والماء معنية بالمشاريع والموارد والبنيات، وبينهما لا ينبغي أن يضيع المواطن في تبادل الاختصاصات، لأن العطش لا ينتظر المساطر، ولا يفرّق بين قطاع حكومي وآخر.
المشكلة إذن ليست في موسم مطري واحد، ولا في صيف واحد، بل في غياب رؤية استباقية تجعل تدبير الماء يبدأ قبل الأزمة لا بعدها، فالماء لا يدبر بمنطق إطفاء الحرائق، ولا بالصهاريج وحدها، ولا بالوعود التي تتحرك حين ترتفع حرارة الاحتجاج، بل بتخطيط قبلي، واستثمار في الشبكات، وتسريع للمشاريع، وربط فعلي بين السدود والمدن والجماعات التي تعيش الخصاص.
في ميسور وسيدي بوطيب، لم يعد السؤال هو هل تساقط المطر أم لا، بل لماذا لا يتحول المطر إلى أمن مائي، ولماذا تبقى بعض المناطق وكأنها خارج خريطة الاستباق، تنتظر الأزمة كي تتحرك الحلول.
الحكومة اليوم أمام اختبار بسيط في ظاهره، عميق في أثره، أن يصل الماء إلى البيوت، لا أن يبقى في الدراسات، ولا في السدود البعيدة، ولا في الصهاريج المتنقلة، ولا في أجوبة البرلمان.
فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة المائية بعدد الاجتماعات ولا بحجم الوعود، بل بصوت الصنبور حين يفتحه، وإذا كان المطر قد أنعش الأرض، فإن التدبير وحده هو القادر على إنعاش الثقة.
الماء حق أساسي، وليس امتيازاً موسمياً، وحين يصبح الحصول عليه مرتبطاً بالصهاريج أو بانتظار إصلاح شبكة أو تسريع مشروع تأخر لسنوات، فإننا لا نكون فقط أمام أزمة موارد، بل أمام أزمة تدبير تحتاج إلى جواب عاجل، واضح، وملموس.
