بقلم: الباز عبدالإله
في المغرب، لا نحتاج أحياناً إلى أزمة كبرى كي نفهم أين يتعطل الاستثمار.
يكفي أن ننظر إلى علف السمك.
تقرير حديث صادر عن البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية IFC حول القطاع الخاص في المغرب، منشور بتاريخ 28 أبريل 2026، وضع تربية الأحياء البحرية ضمن القطاعات التي تملك إمكانات مهمة لجذب الاستثمار وخلق فرص الشغل. غير أن التقرير كشف، في المقابل، أن هذا القطاع لا يصطدم فقط بالبحر والأسواق، بل يصطدم أيضاً بكلفة الأعلاف وبثقل التنظيم.
الأرقام هنا لا تحتاج إلى كثير من الزخرفة.
حسب التقرير، تمثل الأعلاف ما بين 50 و75 في المائة من كلفة تشغيل تربية الأحياء البحرية، بينما تجعل القيود الحالية على استعمال بعض البروتينات الحيوانية المعالجة كلفة الأعلاف في المغرب أعلى بما بين 15 و20 في المائة مقارنة بمنافسين في حوض المتوسط.
بمعنى أبسط، المغرب يتحدث عن الاقتصاد الأزرق، لكن السمكة قبل أن تصل إلى السوق تمر من فاتورة غذاء ثقيلة.
وهنا لا يعود الموضوع مسألة تقنية مرتبطة بالأحياء البحرية فقط، بل يتحول إلى سؤال سياسة عمومية. كيف نريد صناعة بحرية تنافسية، بينما جزء من الكلفة ما زال عالقاً في مسار تنظيمي ينتظر التفعيل العملي؟
التقرير يشير إلى أن المرسوم رقم 2-23-557 لسنة 2024 يسمح مبدئياً بالاستعمال المراقب لبعض هذه البروتينات، لكنه يوضح أن التنفيذ ما زال معلقاً في انتظار صدور القرار الوزاري المطلوب. وهذه هي المفارقة التي تليق ببلد يريد تسريع الاستثمار: القانون يفتح الباب، لكن المفتاح ما زال في درج الإدارة.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن الجدل السياسي الذي رافق، في وقت سابق، قطاع تربية الأحياء البحرية، بعد تداول معطيات وتصريحات منسوبة إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، بشأن دعم بلغ 11 مليون درهم لفائدة مشروع مفرخة رخويات بالداخلة، قيل إعلامياً إن المستفيد منه ينتمي إلى الحزب نفسه الذي تنتمي إليه المسؤولة الحكومية. ورغم أن المعطى قُدم في سياق دعم الاستثمار في القطاع، فإن الجدل الذي رافقه أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكثر حساسية: كيف يمكن تشجيع الاستثمار في الاقتصاد الأزرق مع ضمان الشفافية، وتكافؤ الفرص، وإبعاد الدعم العمومي عن كل شبهة سياسية؟
البنك الدولي لا يقترح فوضى في الأعلاف، ولا فتح الباب بلا ضوابط.
التوصية واضحة: إصدار القرار الوزاري الذي يسمح بالاستخدام المراقب لهذه المواد في أعلاف تربية الأحياء البحرية، مع شروط صحية صارمة، وتتبع للجودة، ومراقبة من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية. أي أن المسألة ليست بين السلامة والمغامرة، بل بين تنظيم ذكي وتأجيل مكلف.
الأهم أن التقرير لا يتحدث عن قطاع صغير على الهامش.
فهو يقدر أن تربية الأحياء البحرية في المغرب يمكن أن تجذب حوالي 1.96 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة على المدى المتوسط، وتدعم قرابة 21 ألف منصب شغل مباشر و54 ألف منصب غير مباشر، إذا تحركت الإصلاحات المرتبطة بالتراخيص، والبنيات، وتكلفة المدخلات.
هنا يظهر السؤال الذي يهم المواطن قبل المستثمر: كم من فرصة شغل تضيع حين تتأخر الإدارة في إصدار قرار؟
وكم من مشروع يبقى معلقاً بين تقرير دولي يقول إن الإمكانات موجودة، ومسطرة محلية تقول انتظروا قليلاً؟
المغرب يملك شريطاً بحرياً واسعاً، وخبرة في الصيد، وموقعاً يسمح له بأن يكون لاعباً في تربية الأحياء البحرية، لا مجرد بلد يبيع السمك حين يسمح الموسم. لكن الاقتصاد الأزرق لا يبنى بالشعارات الجميلة، بل بتخفيض كلفة الإنتاج، وتبسيط الترخيص، وضمان قواعد واضحة للمستثمرين.
المفارقة أن علف السمك، وهو تفصيل يبدو بعيداً عن السياسة، يفضح جزءاً من المشكلة الكبرى.
نحن لا نفتقر دائماً إلى الأفكار.
ولا نفتقر دائماً إلى التقارير.
أحياناً نفتقر فقط إلى قرار إداري يصدر في وقته، بدل أن يتحول إلى سد صغير في وجه مشروع كبير.
في ظاهر الملف، نحن أمام بروتينات وأعلاف وتربية بحرية.
وفي عمقه، نحن أمام امتحان حكامة.
هل تستطيع الحكومة أن تحول توصيات التقارير الدولية إلى قرارات عملية؟
أم أن الاقتصاد الأزرق سيبقى مثل كثير من الوعود: بحراً واسعاً، ومراكب كثيرة، ومرساة إدارية ثقيلة في القاع؟
الأكواكولتور في المغرب ليس مجرد حوض لتربية السمك.
إنه اختبار لطريقة الدولة في التعامل مع الاستثمار: هل تتركه يسبح، أم تضعه في حوض ضيق وتطلب منه أن يكبر بسرعة؟
