بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد غلاء الأضاحي في المغرب مجرد نقاش موسمي يشتعل مع اقتراب عيد الأضحى، ثم يخفت بعد مرور المناسبة. هذه المرة، بدا الغضب أوسع من السوق، وأعمق من ثمن كبش، لأنه مسّ مباشرة شعور الناس بأن الأزمة لا تُقرأ من جذورها، بل تُدبر أحياناً بمطاردة الحلقة الأضعف في السلسلة.
في تدوينة لافتة، اختار يحيى اليحياوي أن يضع الأصبع على مفارقة قاسية، حين تحدث عن تحرك السلطات الميدانية في الأسواق لملاحقة “الشناقة الصغار”، وتحميلهم جزءاً من مسؤولية الغلاء، بينما يظل السؤال الأكبر معلقاً حول من يتحكم فعلاً في مسارات العرض، والاستيراد، والدعم، والاحتكار، وهوامش الربح الكبرى.
اليحياوي، في قراءته، لا يبرئ المضاربة من حيث المبدأ، لكنه يرفض اختزال أزمة بهذا الحجم في شناق صغير يدخل السوق برأسمال محدود، يشتري ويبيع بهامش بسيط، بحثاً عن ربح لا يصنع ثروة، ولا يقلب ميزان الأسعار، ولا يتحكم في السوق الوطنية.
إنه، كما توحي التدوينة، شبيه ببائع الخضر أو بائع السمك في الحي، حلقة صغيرة داخل سلسلة طويلة، لا يملك سلطة تحديد منطق العرض والطلب، ولا قدرة له على التحكم في ثمن وطني يتأثر بالإنتاج، والاستيراد، والدعم، والوسطاء الكبار، وحسابات السوق قبل المناسبة.
هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً. هل يمكن تحميل بائع السمك مسؤولية الغلاء الفاحش في أسعار السردين؟ طبعاً لا. السؤال الحقيقي، كما يلمح اليحياوي بعبارة لاذعة، ينبغي أن يتجه نحو “فراقشية أعالي البحار”، أي نحو الكبار الذين يتحركون في مناطق الربح الواسع، لا نحو من يبيع بالتقسيط في سوق أسبوعي بحثاً عن قوت يومه.
على الضفة نفسها، جاءت تدوينة مصطفى الرميد، وزير العدل السابق، لتمنح النقاش بعداً سياسياً مباشراً. فقد عبّر عن حزنه وحسرته إزاء ما وصفه بأصوات الناس المدوية بسبب الغلاء المستعر للأكباش في معظم الأسواق المغربية، معتبراً أن البلاد عاشت غضباً وسخطاً غير مسبوقين في مناسبة عيد الأضحى.
الرميد ربط هذا الغلاء بسياق لا يمكن القفز عليه. سنة ماضية لم تُذبح فيها الأضاحي، دعم مالي حكومي ضخم استفاد منه موردو الأكباش، موسم ممطر أعطى مؤشرات فلاحية جيدة، ثم، رغم ذلك كله، يجد المواطن نفسه أمام أسعار ملتهبة لا ترحم قدرته الشرائية.
السؤال الذي طرحه الرميد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه ثقيل في عمقه: أين الخلل إذن؟
جوابه كان مباشراً: الخلل، في تقديره، يوجد في السياسة الفلاحية التي لم تستطع تدبير الملف بتبصر واستباقية. وهنا ينتقل النقاش من السوق إلى السياسة، ومن شناق صغير في الهامش إلى اختيارات عمومية يفترض أن تحسب الموسم قبل حلوله، وأن تقرأ الطلب قبل انفجاره، وأن تراقب أثر الدعم قبل أن يتحول إلى رقم جميل في البلاغات وقاسٍ في جيوب المواطنين.
الأكثر إحراجاً، وفق تدوينة الرميد، هو حديث وزير الفلاحة عن إمكانية شراء الأضحية بألف درهم، ثم بألفي درهم، وهي أسعار قال الرميد إنها لا وجود لها إلا في مخيلة بعيدة عن الواقع. هذه العبارة، مهما كان الخلاف حولها، تعكس فجوة أوسع بين خطاب رسمي يحاول طمأنة الناس، وسوق لا يرحم من يدخل إليه بميزانية محدودة.
ما يجمع بين التدوينتين ليس فقط الغضب من الأسعار، بل الاعتراض على طريقة توجيه المسؤولية. فحين تصبح الدولة حاضرة بقوة في الأسواق لمطاردة صغار الوسطاء، بينما يغيب الجواب الواضح عن مصير الدعم، وفعالية الاستيراد، وحقيقة هوامش الربح، ومسؤولية التخطيط الفلاحي، فإن المواطن لا يرى في ذلك حزماً بقدر ما يرى بحثاً عن متهم سهل.
الأزمة هنا ليست في وجود شناقة فقط. الأزمة في أن السياسة العمومية تحتاج أحياناً إلى كبش فداء حين تعجز عن تفسير كبش العيد.
قد يكون بعض الوسطاء جزءاً من مشكل السوق، وهذا أمر وارد في كل سلسلة تجارية. لكن تحويلهم إلى العنوان الرئيسي للأزمة يظل تبسيطاً مضراً، لأن الأسعار لا تشتعل بهذا الشكل بسبب بائع صغير في سوق أسبوعي، بل بسبب اختلالات أعمق في الإنتاج، والتوزيع، والدعم، والمراقبة، والمنافسة، وتدبير الزمن الفلاحي.
لذلك، فإن دعوة الرميد إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولو بصيغة سياسية قوية وصلت إلى المطالبة باستقالة الوزير المعني، لا ينبغي قراءتها فقط كتصعيد حزبي أو موقف عابر، بل كجزء من سؤال أوسع: هل يكفي أن نعلن الدعم، ونفتح الاستيراد، ونطلق الحملات، أم أن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين نسأل لماذا لم تنعكس كل هذه التدابير على ثمن الأضحية في السوق؟
في العمق، غلاء الأضاحي لم يكشف فقط أزمة أسعار. كشف أيضاً أزمة ثقة.
المواطن لا يطلب معجزة. يطلب فقط أن يشعر بأن الدولة ترى الصورة كاملة، لا أن تكتفي بملاحقة من يقف في آخر الصف. يطلب أن يعرف لماذا صارت الأضحية أثقل من قدرة أسر كثيرة، ولماذا يتحول كل موسم إلى اختبار جديد للقدرة الشرائية، بينما تتكرر الوعود نفسها بلغة مختلفة.
بين تدوينة اليحياوي وتدوينة الرميد، يظهر خيط واحد واضح: لا تحملوا الحلقة الأضعف وحدها كلفة الفشل.
فالسوق له صغاره، نعم.
لكن له أيضاً كباره.
والسياسة، حين تريد أن تكون عادلة، لا تبدأ من مطاردة من يبيع في الهامش، بل من مساءلة من يقرر في المركز.
