الحلقة الأولى: حكومة اللوبيات… حين يصبح الدعم العمومي سؤالاً عن الحاضنة لا عن الكلفة
في عددها لشهور فبراير ومارس وأبريل 2026، نشرت مجلة “ملفات” تحقيقاً خاصاً تحت عنوان “حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”، واضعة أمام الرأي العام رقماً ثقيلاً لا يتعلق بمجرد كلفة مالية عابرة، بل بمنظومة كاملة من الدعم المباشر، والإعفاءات الجمركية، والامتيازات الضريبية، التي تقول المجلة إن الحكومة قدمتها للوبيات تشكل حاضنتها السياسية والانتخابية، بذريعة حماية القدرة الشرائية والحد من ارتفاع الأسعار.
لا يقرأ التحقيق هذا الرقم باعتباره حصيلة تقنية لإجراءات حكومية متفرقة، بل يضعه داخل سؤال سياسي أوسع: كيف يمكن لدعم عمومي بهذا الحجم أن يُقدَّم باسم حماية المستهلك، ثم لا يترك الأثر المنتظر في الأسعار النهائية، ولا يبدد الإحساس العام بأن حلقات محددة داخل السوق كانت الأقرب إلى الاستفادة من مجمل التدخلات.
تقول مجلة “ملفات” إن التحقيق لا يطارد مجرد مؤشرات للغلاء، ولا يقف عند مستوى الشكوى الاجتماعية من ارتفاع الأسعار، بل يحاول تفكيك المسار الكامل الذي يبدأ من قطاع الحبوب، ويمر عبر الأعلاف المركبة، واستيراد الماشية، وسلسلة اللحوم الحمراء والدواجن، قبل أن يصل إلى المستهلك المغربي في شكل أسعار مرتفعة ومستمرة.
القيمة التحريرية لهذا التحقيق تكمن في أنه لا يتعامل مع الغلاء كحادث معزول، بل كنتاج لبنية اقتصادية تتقاطع فيها السياسة بالمال، والدعم العمومي بمصالح السوق، والقرار الحكومي بشبكات النفوذ المهني والاقتصادي.
ومن هنا تبدو عبارة “حكومة اللوبيات”، كما استعملتها المجلة، عنواناً لقراءة سياسية في طريقة تدبير الدعم، لا مجرد توصيف خطابي عابر.
بحسب ما أوردته “ملفات”، فقد أشرف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال سنوات وجوده على رأس وزارة الفلاحة، على إعادة تشكيل خريطة التموين داخل قطاع الإنتاج الفلاحي، قبل أن يكبر داخل هذا المسار نظام من الدعم المباشر والإعفاءات والامتيازات، في شبكة تقول المجلة إنها أصبحت محدودة العدد، واسعة التأثير، وقريبة من مفاصل القرار داخل قطاعات حيوية.
وتضيف المجلة أن شركات محدودة ظلت حاضرة في أكثر من حلقة من حلقات السلسلة، بما يجعل السؤال لا يتعلق فقط بمن يستورد أو يوزع أو يبيع، بل بمن يملك القدرة على التموقع داخل السوق حين تتدخل الدولة بالمال العمومي والإعفاءات والتسهيلات.
هنا يخرج التحقيق من حدود الاقتصاد إلى مساحة الحكامة.
فالدعم، في الأصل، يفترض أن يكون آلية اجتماعية لتخفيف الضغط عن المستهلك، لا قناة لتغذية اختلالات السوق أو توسيع هوامش الربح داخل حلقات بعينها.
وحين تتحمل الخزينة كلفة كبيرة، يصبح السؤال عن الأثر جزءاً من الحق العام في معرفة كيف صُرفت الموارد، ومن استفاد، ولماذا لم يتحول التدخل إلى انخفاض ملموس في الأسعار.
لا تنفي المجلة، في سياق التحقيق، وجود عوامل موضوعية أثرت على السوق، من بينها كلفة الإنتاج، وتقلبات الاستيراد، وضغط الأعلاف، واضطرابات العرض.
لكنها تعتبر أن هذه العوامل لا تكفي وحدها لتفسير استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة، خصوصاً حين تكون الدولة قد فتحت باب الدعم والإعفاءات تحت عنوان حماية القدرة الشرائية.
وتعرض المجلة مثالاً لافتاً من سوق اللحوم الحمراء، حين تشير إلى أن الفرق بين بعض كلف الإنتاج والأسعار النهائية ظل يطرح أسئلة حادة حول هوامش السوق، وحول قدرة آليات المراقبة على ضبط ما يجري بين المجازر ونقط البيع.
كما تتوقف عند الدعم الموجه لاستيراد الأغنام، وما رافقه من إعفاءات وتسهيلات، معتبرة أن جانباً من هذا الدعم بدا وكأنه ضاع بين الطريق إلى السوق ومائدة المستهلك، بسبب ضعف التتبع والمراقبة وغياب ما يكفي من الشفافية في تحديد أثره النهائي.
الأهم في التحقيق أن مجلة “ملفات” تقول إنها لم تكتف بالوصف، بل اعتمدت مساراً استقصائياً امتد على مدى أشهر، شمل تتبع الوثائق والفواتير والمسارات المالية، وتحليل معطيات من إدارة الجمارك، ومكتب الصرف، ومصالح رسمية، ووزارة الفلاحة، إضافة إلى مصادر خاصة.
هذه الإشارة مهمة، لأنها تمنح الملف ثقلاً توثيقياً، وتجعله أقرب إلى محاولة لتفكيك بنية السوق لا إلى مجرد تعليق سياسي على الغلاء.
ومن خلال هذه المعطيات، تضع المجلة سؤالاً مركزياً شديد الحساسية: ما الفرق بين المال العمومي الذي يخرج باسم حماية القدرة الشرائية، والمسار النهائي للمنتجات التي يؤدي ثمنها المستهلك من جيبه؟.
هذا السؤال هو جوهر الحلقة الأولى.
فالمشكل، كما يقدمه تحقيق “ملفات”، ليس فقط في أن الأسعار ارتفعت، بل في أن الدولة تدخلت بكلفة كبيرة دون أن يظهر الأثر بنفس الوضوح على حياة المواطن.
والمشكل الأكبر أن هذا التدخل جرى داخل قطاعات تعرف تعدد الوسطاء، وتركيزاً في بعض حلقات السوق، وتشابكاً بين الاستيراد والتوزيع والتثمين والبيع النهائي.
من هنا يصبح رقم 76 مليار درهم أكثر من مجرد عنوان مالي.
إنه مدخل لمساءلة العلاقة بين المال العمومي والنفوذ الاقتصادي، وبين الدعم المعلن والنتيجة الاجتماعية، وبين القرار الحكومي وقدرة الدولة على حماية المستهلك حين تتحرك داخل أسواق لا تخلو من تمركز وامتيازات ومصالح منظمة.
لا تحتاج هذه القراءة إلى لغة اتهامية.
يكفي أن يُطرح السؤال بمنتهى الدقة: إذا كان الدعم قد خرج باسم القدرة الشرائية، فأين توقف أثره؟.
هل وصل إلى المستهلك كما كان يفترض؟.
هل امتصته كلفة الإنتاج فعلاً؟.
هل احتجزته حلقات الوساطة والتوزيع؟.
أم أن جزءاً منه تحول، كما توحي مجلة “ملفات”، إلى هوامش خاصة داخل قطاعات محمية بقوة المال والقرب من القرار؟.
التحقيق لا يضع أمام الحكومة مجرد رقم، بل يضعها أمام امتحان سياسي في الشفافية.
لأن الدعم العمومي لا يكفي أن يُعلن.
والإعفاءات لا يكفي أن تُبرر.
والاستيراد لا يكفي أن يُفتح.
الأهم هو أن تقدم الدولة جواباً واضحاً حول الأثر، وحول المستفيدين، وحول الضمانات التي تمنع تحول المال العام إلى امتياز اقتصادي بلا نتيجة اجتماعية واضحة.
بهذا المعنى، تبدأ سلسلة “حكومة اللوبيات” من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: كيف يمكن أن تتحمل الخزينة كلفة بهذا الحجم، ثم يبقى المواطن أمام أسعار لا تعكس حجم التدخل العمومي؟.
ذلك هو السؤال الذي جعل مجلة “ملفات” تضع 76 مليار درهم في قلب النقاش، لا بوصفها رقماً مالياً فقط، بل بوصفها مرآة لطريقة تدبير الدعم حين يلتقي المال العمومي بمصالح السوق.
نسخة فيسبوك قصيرة:
نشرت مجلة “ملفات” تحقيقاً خاصاً تحت عنوان “حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”.
التحقيق لا يطرح سؤال الغلاء فقط، بل يفتح نقاشاً أعمق حول مسار الدعم العمومي، والإعفاءات، والامتيازات، ومن استفاد فعلاً من تدخلات قُدمت باسم حماية القدرة الشرائية.
حين تتحمل الخزينة كلفة بهذا الحجم، ولا يظهر الأثر بوضوح في الأسعار النهائية، يصبح السؤال عن الحكامة والشفافية ضرورياً.
