بقلم: الباز عبدالإله
في السياسة الصناعية، لا تمر كل المعارك عبر الخطب الكبرى.
أحياناً تختبئ القصة كلها في عبارة قانونية صغيرة، داخل مشروع أوروبي طويل، لا ينتبه إليها إلا من يعرف أن البنود الهادئة قد تصنع طرقاً تجارية صاخبة.
تحليل نشرته مؤسسة Heinrich-Böll-Stiftung European Union، أمس الأربعاء 27 ماي 2026، وضع مشروع القانون الأوروبي المعروف باسم Industrial Accelerator Act تحت المجهر، باعتباره محاولة من الاتحاد الأوروبي لدعم الصناعة النظيفة، وتقوية المشتريات العمومية لفائدة منتجات منخفضة الكربون، خصوصاً في قطاعات مثل الصلب، والألمنيوم، والإسمنت، والصناعات المرتبطة بالتحول الأخضر.
لكن وسط هذا النقاش الأوروبي حول “صُنع في أوروبا”، يظهر اسم المغرب بطريقة لافتة.
فالتحليل يشير إلى أن الصياغة الحالية للمقترح تمنح وضعية “منشأ مكافئ للاتحاد الأوروبي” لدول تربطها بالاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارة حرة، أو اتحادات جمركية، أو اتفاقيات مشتريات حكومية، وهي لائحة واسعة قد تتجاوز سبعين دولة.
هنا يبدأ الجزء المثير سياسياً.
حسب القراءة نفسها، يمكن لشركة صينية تستثمر في المغرب، بحكم ارتباط المملكة باتفاقية تجارة مع الاتحاد الأوروبي، أن تجد طريقاً نحو بعض أسواق المشتريات العمومية الأوروبية بمنتجات مؤهلة كذات “منشأ مكافئ للاتحاد”، دون أن تمر بالضرورة من الشروط نفسها التي يريد المشروع الأوروبي فرضها على الاستثمارات الأجنبية الكبرى داخل أوروبا، خاصة ما يتعلق بنقل التكنولوجيا، والتشغيل المحلي، والبحث والتطوير.
بصياغة أقل تقنية، أوروبا تسعى إلى حماية صناعتها من المنافسة الصينية، لكن قراءة أوروبية حديثة ترى أن النص، كما هو مطروح حالياً، قد يترك ممراً غير مباشر يمكن أن يمر عبر دول شريكة، من بينها المغرب.
لا يتعلق الأمر باتهام للمغرب.
ولا بتخويف من الاستثمار الصيني.
ولا بإعلان وجود ثغرة مؤكدة.
الأمر أدق من ذلك.
إنه سؤال حول موقع المغرب داخل حرب صناعية باردة تتشكل بين بروكسيل وبكين، حيث لم تعد الحدود تقاس فقط بالجغرافيا، بل بالمنشأ، والشهادات، والاتفاقيات، ونسبة المحتوى المحلي.
المغرب، في هذه القراءة، ليس مجرد بلد مستقبل للاستثمار.
إنه قد يجد نفسه في موقع حساس داخل هندسة صناعية أوروبية جديدة، بين فرصة جذب الاستثمارات الكبرى، ومخاطر التحول إلى منصة عبور داخل صراع تجاري لا يصنع قواعده وحده.
وهنا تكمن المفارقة.
إذا استثمرت شركة أجنبية داخل أوروبا، قد تجد نفسها أمام شروط دقيقة ترتبط بنقل التكنولوجيا، وخلق مناصب الشغل، وتعزيز البحث والتطوير داخل القارة.
أما إذا استثمرت الشركة نفسها، أو شركة منافسة لها، في دولة شريكة مثل المغرب، فقد تستفيد منتجاتها، وفق هذا التحليل، من وضع تجاري يمنحها طريقاً أقل تعقيداً نحو جزء من السوق العمومية الأوروبية.
السياسة هنا لا ترتدي ربطة عنق.
ترتدي شهادة منشأ.
بالنسبة للمغرب، يمكن قراءة هذا المعطى من زاويتين متداخلتين.
الأولى تحمل فرصة واضحة، لأن المملكة تملك موقعاً جغرافياً قريباً من أوروبا، واتفاقيات تجارية، وبنية صناعية، وقدرة متنامية على استقطاب الاستثمارات الكبرى، بما قد يحولها إلى منصة إنتاج ذات قيمة مضافة داخل سلاسل الصناعة العالمية.
لكن هذه الفرصة لا تكتمل إلا إذا رافقتها شروط ذكية، ونقل فعلي للتكنولوجيا، وإدماج للمقاولات المحلية، وتكوين للمهارات، وخلق لفرص شغل ذات جودة.
أما الزاوية الثانية، فهي أكثر حذراً.
هل سيكون المغرب لاعباً يفاوض من موقع قوة، أم مجرد ممر أنيق يستعمله الآخرون لترتيب صراعاتهم التجارية؟.
هل ستتحول الاتفاقيات إلى رافعة للسيادة الصناعية، أم إلى بطاقة عبور يستفيد منها المستثمر أكثر مما يستفيد منها النسيج المحلي؟.
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يوضع فوق الطاولة.
فالمغرب، وهو يراهن على السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقات النظيفة، والهيدروجين الأخضر، والمعادن الاستراتيجية، لا يحتاج فقط إلى المصانع.
يحتاج إلى شروط.
إلى معرفة من يملك التكنولوجيا.
ومن يخلق القيمة.
ومن يتحكم في القرار.
ومن يخرج في النهاية بصورة “صُنع في أوروبا”، ولو أن الطريق مر من المغرب.
مشروع Industrial Accelerator Act ما زال في مساره التشريعي، ولم يتحول بعد إلى قانون نهائي.
كما أن الصين عبرت عن اعتراضها على هذا التوجه الأوروبي، معتبرة أنه يتضمن مقتضيات قد تمس الشركات الأجنبية، خصوصاً في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات، بينما تقدم أوروبا المشروع باعتباره أداة لحماية صناعتها النظيفة وتقوية تنافسيتها.
لكن حتى قبل أن ينتهي المسار التشريعي، يكفي أن يظهر المغرب في هذا النقاش حتى نفهم أن البلاد لم تعد خارج خرائط الصناعة الكبرى.
المشكلة أن الوجود على الخريطة لا يكفي.
الأهم هو هل نرسم نحن الطريق، أم نكتفي بأن تمر فوقنا الطرق التي يرسمها الآخرون.
في النهاية، ليست القصة فقط “صُنع في أوروبا”.
القصة قد تصبح “صُنع في أوروبا… عبر المغرب”.
وبين العبارتين، توجد سياسة صناعية كاملة، تحتاج إلى عين يقظة، لا إلى تصفيق سريع.
أوروبا تريد حماية صناعتها من الصين، لكن قراءة أوروبية حديثة تفتح مفارقة لافتة، شركة صينية تستثمر في المغرب قد تجد ممراً نحو بعض المشتريات العمومية الأوروبية، بفضل وضعية “المنشأ المكافئ” المرتبطة باتفاقيات التجارة مع الاتحاد الأوروبي.
لا اتهام هنا.
لكن السؤال يستحق أن يوضع فوق الطاولة.
هل يصبح المغرب لاعباً ذكياً في خرائط الصناعة الجديدة؟.
أم يتحول إلى ممر أنيق داخل معركة أكبر بين بروكسيل وبكين؟.
حين تختبئ السياسة في بند قانوني صغير، تبدأ القصة الحقيقية.
