بقلم: الباز عبدالإله
كشفت أرقام المعهد الوطني للإحصاء الإسباني، المعلنة يوم 28 ماي 2026، أن 299.732 أجنبياً مقيماً في إسبانيا حصلوا على الجنسية الإسبانية خلال سنة 2025، بارتفاع بلغ 18.7 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، فيما تصدر المغاربة القائمة بـ42.114 حالة، متقدمين على الكولومبيين والفنزويليين، في معطى يبدو، في ظاهره، إسبانياً صرفاً، لكنه يحمل صدى مغربياً عميقاً.
فالرقم لا يتعلق فقط بأشخاص غيّروا وضعهم القانوني داخل بلد أوروبي، ولا بمجرد وثيقة إدارية جديدة تضاف إلى ملفات الإقامة والعمل والاستقرار، بل يكشف تحولاً أعمق في علاقة مغاربة الخارج بفكرة المستقبل، وبالبحث عن الضمانة والحماية ووضوح الحقوق، داخل عالم لا يرحم من يقف بلا سند قانوني قوي.
الجنسية، في هذا السياق، ليست مجرد ورقة، بل تعبير عملي عن حاجة إنسانية إلى الأمان وحرية الحركة والاستقرار الاجتماعي والاطمئنان على مستقبل الأبناء، داخل دولة يعيش فيها المواطن يومه، ويدفع فيها ضرائبه، ويبني فيها مساره المهني والعائلي، ولذلك لا يقف الرقم عند حدود الإدارة الإسبانية، بل يفتح أيضاً شهية التأويل السياسي الهادئ.
هل نحن أمام اندماج طبيعي لجالية مغربية قوية داخل إسبانيا؟ نعم، لكن هل نحن، في الوقت نفسه، أمام رسالة صامتة لا تمر عبر صناديق الاقتراع، بل عبر جواز السفر؟ السؤال مشروع، ولا يحتاج إلى ضجيج.
فحين يحصل أكثر من 42 ألف مغربي على الجنسية الإسبانية في سنة واحدة، فإن ذلك لا يعني أنهم أداروا ظهورهم للمغرب، ولا أن صلتهم بوطنهم الأول انتهت عند باب القنصلية، فالمغاربة يعرفون جيداً كيف يحملون وطنهم معهم، حتى حين تتغير الوثائق، وتتعدد الجوازات، وتتبدل العناوين.
لكن الرقم يقول شيئاً آخر، يقول إن شريحة واسعة من مغاربة الخارج صارت تبني مستقبلها العملي خارج الحدود، وتبحث عن استقرار لا تمنحه العاطفة وحدها، بل تصنعه القوانين والإدارة والخدمات والفرص، وشعور المواطن بأن كرامته محمية داخل المؤسسات.
وهنا يصبح الرقم الإسباني مرآة مغربية تضع السياسات العمومية تحت المجهر، وتعيد طرح سؤال العلاقة بين الدولة وجاليتها بعيداً عن لغة المناسبات، وخطابات الصيف، وصور العبور، وأرقام التحويلات المالية.
فالجالية المغربية لا تغادر الوطن وجدانياً، ولا تقطع صلتها الأولى بمجرد حصولها على جواز سفر ثان، لكنها تبحث عن ضمانة قانونية واجتماعية حين يصبح المستقبل أكبر من الحنين، وحين تكتشف أن الانتماء وحده لا يكفي لحماية المسار المهني والعائلي للأبناء.
لهذا لا يمكن اختزال مغاربة العالم في تحويلات بنكية، ولا في استقبال موسمي بالموانئ والمطارات، ولا في خطاب عاطفي عن الارتباط بالوطن، لأنهم كتلة بشرية واجتماعية واقتصادية وسياسية كبرى، تنتج القيمة في الخارج، وتراكم الخبرة، وتربي أجيالاً جديدة، وتظل، في الوقت نفسه، مرتبطة بالمغرب بخيط وجداني لا تعوضه أي جنسية أخرى.
غير أن الخيط الوجداني وحده لا يكفي، لأن مغاربة العالم يحتاجون إلى سياسة عمومية أكثر نجاعة، وإلى قنصليات أقل إنهاكاً، وإلى خدمات رقمية تحترم وقتهم، وإلى حماية جدية لمصالحهم العقارية والإدارية، وإلى تمثيلية أوضح في النقاش العمومي، لا مجرد حضور رمزي حين تحتاج الدولة إلى صورة جميلة عن امتدادها في الخارج.
فالذي يبحث عن جنسية أوروبية لا يبحث دائماً عن قطيعة مع بلده الأصلي، بل يبحث في الغالب عن ضمانة إضافية، وعن إدارة واضحة، وقانون مفهوم، ومدرسة مستقرة، ومستشفى أكثر انتظاماً، وفضاء يشعر فيه أن حقوقه لا تنتظر مزاج موظف، ولا تتعطل أمام مسطرة غامضة، ولا تضيع بين المكاتب.
هنا لا يصبح جواز السفر الثاني نهاية للهوية الأولى، بل سؤالاً موجهاً إلى جودة العقد الاجتماعي في الوطن الأول، لأن المغرب، وهو يعتز بجاليته، يحتاج إلى تحويل هذا الاعتزاز من خطاب جميل إلى سياسة فعلية تواكب مشاكل الإرث، والعقار، والوثائق، والاستثمار، والتعليم، وربط الأجيال الجديدة بالوطن الأم.
إذا كان المغرب يريد علاقة قوية ومستدامة مع مغاربة العالم، فعليه أن يتعامل معهم كفاعلين مواطنين، لا كخزان تحويلات، ولا كجمهور موسمي يعود في الصيف ويغادر في صمت، لأن رقم 42.114 ليس صفعة، لكنه تنبيه أنيق يقول إن الناس تتحرك حيث توجد الفرصة، وتستقر حيث توجد الضمانة، وتحمل وطنها معها، لكنها لا تعلق مستقبل أبنائها على الحنين وحده.
فالذين حصلوا على الجنسية الإسبانية لم يتوقفوا عن كونهم مغاربة وجدانياً، لكنهم أرسلوا، عبر الأرقام، رسالة لا تحتاج إلى بلاغ رسمي.
الناس لا تبحث عن جنسية أخرى عبثاً، بل تبحث عن ضمانة حين تشعر أن المستقبل يحتاج إلى أكثر من الحنين.
