بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد ملف أضاحي العيد مجرد نقاش موسمي حول الأسعار، ولا سجالاً عابراً بين الحكومة والكسابة والوسطاء، بل تحول إلى مرآة سياسية كاشفة تضع حكومة أخنوش أمام سؤال حساس: هل تصل حقيقة السوق كاملة إلى أعلى سلطة في البلاد، أم أن الأرقام حين تصعد إلى فوق تصبح أكثر نعومة مما يعيشه المواطن تحت ضغط الغلاء؟
قبل عام واحد، لم يكن المغرب أمام قرار عادي، فقد وجّه الملك محمد السادس، بصفته أميراً للمؤمنين، رسالة إلى المغاربة دعاهم فيها إلى عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد، بعدما فرضت التحديات المناخية والاقتصادية وتراجع أعداد الماشية وضعاً استثنائياً جعل الأضحية عبئاً ثقيلاً على فئات واسعة، خصوصاً ذوي الدخل المحدود.
لم تكن تلك الرسالة مجرد توجيه ديني مرتبط بموسم عابر، بل كانت في جوهرها قراراً اجتماعياً عميقاً، عنوانه رفع الحرج عن المواطنين، وحماية الأسر من كلفة لا تطاق، وتفادي استنزاف إضافي للقطيع الوطني في لحظة دقيقة.
كان المعنى واضحاً: الدولة لا تريد أن يتحول العيد إلى امتحان قاسٍ للفئات الهشة، ولا أن تتحول الشعيرة إلى مصدر قلق اجتماعي، ولا أن يجد المواطن نفسه بين ضغط العادة وثقل القدرة الشرائية.
لكن بعد سنة واحدة فقط، خرجت الحكومة بخطاب مختلف تماماً.
القطيع تعافى، والعرض يفوق الطلب، والمغرب يتوفر على حوالي 40 مليون رأس، والأغنام والماعز المخصصة للعيد تتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب يقدر بين 6 و7 ملايين، والدولة ضخت، بحسب رئيس الحكومة، دعماً يناهز 13 مليار درهم لفائدة الكسابة ومربي الماشية.
على الورق، تبدو الصورة مطمئنة جداً.
وفرة في القطيع، ودعم عمومي ضخم، وعرض أكبر من الطلب، وخطاب رسمي يوحي بأن السوق يفترض أن يتنفس، وأن الأسعار يفترض أن تنخفض أو، على الأقل، أن تصبح أكثر رحمة بجيوب المواطنين.
لكن السوق لا يقرأ البلاغات، والمواطن لا يشتري الأضحية من الأرقام، والأسرة المغربية لا تدخل الرحبة ومعها تصريح حكومي، بل تدخلها ومعها راتب محدود، وديون مؤجلة، ومصاريف متراكمة، وسؤال ثقيل عن ثمن “الحولي”.
هنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي: إذا كانت الوفرة حقيقية، فلماذا لم يشعر بها المواطن في الثمن؟
وإذا كان الدعم قد صُرف، فلماذا لم يظهر أثره واضحاً في جيوب الأسر؟
وإذا كان العرض يفوق الطلب، فلماذا ظل السوق يتصرف كأنه يعيش تحت ضغط الندرة لا تحت منطق الوفرة؟
حين يقول وزير الفلاحة داخل البرلمان إن هناك أضاحي تبدأ من 1000 درهم، ثم يثار الجدل حول التصريح ويتم التدارك لاحقاً بالحديث عن أثمنة أعلى، فإن الأمر لا يبدو مجرد زلة لسان عابرة، بل يكشف فجوة بين لغة الحكومة وواقع السوق.
وحين يقول رئيس الحكومة إن الدولة دعمت القطيع بملايير الدراهم، وإن على الكسابة مسؤولية أمام الملك والوطن والحكومة، فإن السؤال ينتقل من الرحبة إلى مركز القرار: من راقب أثر هذا الدعم؟ ومن تتبع مساره؟ ومن ضمن أن يصل أثر المال العمومي إلى المواطن، لا أن يتوقف في حلقات الوساطة والمضاربة؟
المشكل هنا لا يمكن اختزاله في الكسّاب الصغير وحده، فهذا الكسّاب نفسه خرج من سنوات جفاف قاسية، ومن ارتفاع كلفة الأعلاف، ومن مصاريف النقل، ومن هشاشة قطاع لم يعد يحتمل الكثير من الخطابات السهلة.
لكن المشكل الحقيقي يوجد في تلك المنطقة الرمادية بين الدعم العمومي والسعر النهائي، حيث تتداخل المسؤوليات بين المنتج والوسيط والسوق والمراقبة، وحيث يبدأ المال العام باسم حماية المواطن، ثم لا يظهر أثره واضحاً في جيب المواطن.
هنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً: هل كانت الحكومة تقدم للدولة صورة دقيقة عن وضع القطيع والسوق، أم كانت تقدم صورة مريحة سياسياً أكثر مما هي مقنعة اجتماعياً؟
في سنة 2025، جاءت الرسالة الملكية لتقول إن الظرفية صعبة، وإن القطيع تراجع، وإن ذبح الأضحية قد يلحق ضرراً بفئات واسعة من المواطنين.
وفي سنة 2026، جاءت الحكومة لتقول إن القطيع عاد إلى التوازن، وإن العرض يفوق الطلب، وإن الدعم صُرف، وإن السوق ممون بما يكفي.
لكن بين الرسالتين يقف المواطن في السوق حائراً: أي صورة يصدق؟ صورة الدولة التي رأت الأزمة فخففت عنه، أم صورة الحكومة التي أعلنت الوفرة ولم تقنعه بالنتيجة؟
الخطير في هذا الملف ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل أن يشعر المواطن بأن الحقيقة تتبدل حسب موقعها.
حين تكون الحقيقة في الرسالة الملكية، تبدو قريبة من الواقع الاجتماعي، منصتة لقلق الناس، ومتحسسة لثقل العيد على ذوي الدخل المحدود.
وحين تمر الحقيقة عبر الخطاب الحكومي، تبدو محاطة بالكثير من الطمأنة والأرقام والوعود، لكنها تفقد جزءاً من قوتها عند أول احتكاك مع السوق.
بين الملك والمواطن، توجد حكومة يفترض أن تنقل الحقيقة كما هي، لا أن تصنع لها واجهة مريحة.
وهنا جوهر المساءلة: هل أخطأت حكومة أخنوش في التقدير؟ هل بالغت في تسويق الوفرة؟ هل فشلت في ضبط الوسطاء والمضاربين؟ أم أنها عرفت حجم الاختلال، لكنها فضلت خطاباً بارداً يقول إن كل شيء تحت السيطرة؟
لا يحتاج المقال إلى اتهام مباشر كي يفهم القارئ ثقل المفارقة.
الملك تدخل العام الماضي لرفع الحرج عن المواطنين، والحكومة اليوم مطالبة بأن تشرح لماذا عاد الحرج من باب الأسعار.
الملك استحضر الضرر على ذوي الدخل المحدود، والحكومة مطالبة بأن تشرح كيف يمكن لأسرة محدودة الدخل أن تصدق وفرة لا تراها إلا في نشرات الأخبار.
الملك جعل التيسير مقدماً على الإحراج، والحكومة مطالبة بأن تثبت أن سياساتها لا تعيد المواطن إلى الإحراج نفسه بصيغة أخرى.
الأرقام، مهما بدت قوية، لا تعفي الحكومة من المساءلة.
40 مليون رأس لا تعني شيئاً إذا لم تنعكس على السوق.
13 مليار درهم لا تعني شيئاً إذا لم يظهر أثرها على الثمن.
والعرض الذي يفوق الطلب لا يعني شيئاً إذا ظل المواطن يشتري الأضحية كما لو كان يعيش ندرة لا وفرة.
السياسة لا تقاس بما تقوله الحكومة عن نفسها، بل بما يصل إلى الناس.
والدعم العمومي لا يكتمل بمجرد الإعلان عنه، بل يكتمل حين يشعر المواطن بأنه لم يضِع في الطريق.
أما حين تعلن الحكومة الوفرة، ويعلن السوق الغلاء، فإننا نكون أمام خلل لا يمكن تغطيته بالبلاغات.
قد يكون خللاً في المراقبة، أو في التوزيع، أو في ضبط الوسطاء، أو في طريقة قراءة السوق، وقد يكون، وهذا أخطر سياسياً، خللاً في طريقة تقديم الحقيقة إلى الدولة والمجتمع.
لذلك لم يعد السؤال: كم ثمن الأضحية؟
السؤال صار: من يتحمل مسؤولية وضوح المعطيات قبل أن تصل إلى الملك والمواطن؟
ومن يصوغ الأرقام التي تُقدَّم في الخطاب الرسمي؟
ومن يترك الأسعار تحرق جيوب الناس في الأسفل؟
ومن يحاسب على دعم صُرف باسم القطيع، لكنه لم يقنع المواطن بأنه صُرف من أجل حمايته؟
حكومة أخنوش اليوم لا تواجه فقط غضب الأسواق، بل تواجه امتحان الثقة.
الثقة في الرقم الرسمي، والثقة في الدعم العمومي، والثقة في المراقبة، والثقة في أن ما يقال باسم الدولة لا يجب أن يكون أجمل مما يعيشه المواطن في الواقع.
فالبلد الذي أنصت فيه الملك لمعاناة الناس العام الماضي، لا يمكن أن تقنعه حكومة بأرقام لا تترجم نفسها في الأسعار.
والمواطن الذي قيل له إن الذبح قد يكون ضرراً في سنة الأزمة، من حقه أن يسأل في سنة الوفرة: لماذا ما زال الثمن مؤلماً؟
هنا تكمن المفارقة السياسية الهادئة.
ليست في الخروف وحده، بل في المسافة بين الحقيقة كما تُعاش، والحقيقة كما تُقدَّم.
بين رسالة ملكية وضعت المواطن في قلب القرار، وخطاب حكومي يحاول وضع الأرقام في قلب التبرير، يقف السؤال الذي سيلاحق الحكومة : هل كانت الأزمة في القطيع، أم في من يدير القطيع؟
وهل المشكلة في السوق وحده، أم في حكومة لم تنجح في جعل الصورة واضحة بما يكفي، لا أمام المواطن فقط، بل أمام أعلى سلطة في البلاد؟
