نبّه المحامي رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، إلى ظاهرة شديدة الحساسية داخل النقاش العمومي، تتعلق بخروج أشخاص لا صفة مؤسساتية لهم للحديث باسم الدولة أو الدفاع عنها، عبر مهاجمة مواطنين عبّروا عن مواقفهم أو طالبوا بحقوق يعتبرونها مشروعة في مواجهة مؤسسة من مؤسساتها.
وتتجاوز خطورة ما أثاره أيت بلعربي حدود السجال الرقمي العابر، لأنها تفتح سؤالاً أعمق حول صورة الدولة حين يظهر في الفضاء العام من يتحدث باسمها دون تفويض، ويدافع عنها بمنطق السب والقذف والتشهير والمس بالأعراض، بدل الاحتكام إلى القانون والحجة والمؤسسات.
فالدولة، في معناها الحقيقي، لا تحتاج إلى أصوات فوضوية كي تحمي هيبتها، ولا إلى من يختزل الدفاع عنها في الإساءة إلى المواطنين أو تخوين المواقف أو تحويل الخلاف العمومي إلى حملات شخصية.
هيبة الدولة تُحمى بسيادة القانون، وبالمساواة أمامه، وبقدرة المؤسسات على إظهار أن لا أحد يملك امتياز الاعتداء اللفظي أو الرمزي على الناس، مهما كان موقفه أو موقعه أو الجهة التي يدّعي الدفاع عنها.
ما طرحه المحامي أيت بلعربي يضع الأصبع على مفارقة دقيقة ومقلقة في الوقت نفسه، فبينما يُطلب من المواطن أن يثق في المؤسسات، وأن يلجأ إلى القانون، وأن يسلك مساطر الشكاية عند تعرضه للضرر، ينتشر في المقابل شعور متنامٍ بأن بعض الممارسات لا تواجه دائماً بالصرامة نفسها، ولا بالسرعة نفسها، ولا بالحزم نفسه.
هنا لا يعود الأمر مجرد خلاف بين أشخاص داخل مواقع التواصل الاجتماعي، بل يتحول إلى سؤال حول الإحساس بالعدالة، وحول قدرة المواطن على الاقتناع بأن القانون يحمي الجميع بالمسافة نفسها.
وحين يشعر المواطن بأن هناك من يستطيع أن يسب ويقذف ويشهّر دون أن يواجه المساءلة نفسها التي قد تطال غيره، فإن الخطر لا يصيب الضحايا وحدهم، بل يصيب الثقة العامة في قاعدة جوهرية تقول إن القانون فوق الجميع.
الأخطر، كما تفهمه تدوينة أيت بلعربي، ليس فقط أن يتعرض مواطن للإساءة أو التشهير، بل أن يصل الضحايا، أو جزء منهم، إلى قناعة بأن تقديم الشكايات ضد بعض الأسماء لم يعد مجدياً، وأن اللجوء إلى القانون قد يتحول في نظرهم إلى مسار بلا نتيجة.
عندما يبلغ الشعور العام هذه الدرجة، تصبح المشكلة أعمق من تدوينة أو حملة رقمية أو خصومة شخصية، لأنها تمس العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وتطرح سؤالاً حساساً حول معنى الحماية القانونية حين يشعر بعض الناس بأنهم يقفون وحدهم أمام “أصوات الظل”.
فالحديث عن دولة الحق والقانون لا يكفي حين لا يرى المواطن أثره في الوقائع اليومية، والتأكيد على أن لا أحد فوق القانون يحتاج، قبل الخطاب، إلى ممارسة واضحة تجعل المواطن يشعر بأن كرامته مصونة، سواء كان مؤيداً أو معارضاً، معروفاً أو مجهولاً، قريباً من مراكز التأثير أو بعيداً عنها.
لقد تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة تأثير واسعة، ولم يعد مجرد هامش للتعبير أو التنفيس، وفي هذه الساحة يمكن للكلمة أن تتحول إلى أداة ضغط، ويمكن للتشهير أن يصبح وسيلة لإسكات الأصوات، ويمكن للخلط بين الدفاع عن الدولة والإساءة إلى المواطنين أن يخلق أثراً عكسياً يضر بصورة المؤسسات أكثر مما يحميها.
الدولة القوية لا تدافع عنها الشتائم، والقانون لا ينتصر حين يبدو متفرجاً، والمؤسسات لا تربح شيئاً حين يُترك المجال لمن لا صفة لهم كي يتحدثوا باسمها بلغة تضعف الثقة بدل أن تعززها.
تدوينة رشيد أيت بلعربي تفتح، في العمق، نقاشاً ضرورياً حول حدود التعبير، ومسؤولية إنفاذ القانون، ومبدأ المساواة أمام المساءلة، لكنها تفتح أيضاً سؤالاً سياسياً وأخلاقياً أوسع: هل نريد فضاء عاماً يحتمي فيه المواطن بالقانون، أم فضاءً يخاف فيه من أصوات الظل أكثر مما يثق في المؤسسات؟.
الجواب لا يحتاج إلى خطب كبيرة، بل يحتاج إلى قانون يطبق بالمسافة نفسها على الجميع.
لأن العبث لا يبدأ حين ينتقد المواطن مسؤولاً أو مؤسسة، بل يبدأ حين يصبح السب دفاعاً، والتشهير وطنية، والصمت رسالة خاطئة لمن يعتقدون أنهم يملكون حق الكلام فوق القانون.
