يدخل المغرب، خلال شهر يونيو المقبل، موعداً حقوقياً دقيقاً مع زيارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أليس جيل إدواردز، المرتقبة ما بين 8 و19 يونيو 2026، بدعوة من الحكومة المغربية.
في ظاهر الأمر، يبدو الموعد زيارة قطرية عادية ضمن مسار آليات الأمم المتحدة الخاصة، غير أن طبيعة الملفات الموضوعة على طاولة التحضير، والمحاور التي فتحها النداء الأممي أمام الأطراف المعنية، تجعل الزيارة أقرب إلى امتحان سياسي هادئ للصورة الحقوقية للمغرب، لا مجرد محطة بروتوكولية عابرة.
فالنداء المنشور على موقع مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان لا يكتفي بالإشارة إلى تاريخ الزيارة ومسارها العام، بل يطلب مساهمات ومعطيات قبلية حول قضايا دقيقة، تشمل العدالة الجنائية، والشكايات، والتحقيقات، وتوثيق ادعاءات التعذيب، والضمانات القانونية خلال الساعات الأولى للاحتجاز، وظروف الأشخاص المحرومين من الحرية، والسجون، ومخافر الشرطة، والمهاجرين وطالبي اللجوء، والاكتظاظ السجني، وتدبير الاحتجاجات السلمية، والصحة والطب النفسي داخل أماكن الاحتجاز.
هذه ليست تفاصيل تقنية باردة، بل خريطة كاملة للمناطق التي تُقاس فيها جدية الخطاب الحقوقي، بعيداً عن لغة البلاغات ودفء القاعات الرسمية.
ويستقبل المغرب هذه الزيارة بدعوة من حكومته، وهو معطى لا ينبغي إسقاطه من القراءة، لأنه يعكس استعداداً مؤسساتياً للتفاعل مع آلية أممية متخصصة، ويمنح الرباط فرصة لتقديم معطياتها، وشرح إصلاحاتها، والرد على ما قد تعتبره قراءات ناقصة أو ادعاءات غير مكتملة.
غير أن فتح الباب أمام آلية أممية لا يعني أن الأسئلة ستكون سهلة، فالأمم المتحدة لا تتحرك في مثل هذه الزيارات بمنطق المجاملة، بل بمنهجية عمل، ومحاور محددة، ورغبة في الاستماع إلى روايات متعددة، رسمية وغير رسمية، قبل صياغة الخلاصات التي ستجد طريقها لاحقاً إلى مجلس حقوق الإنسان.
القوة الرمزية في هذه الزيارة لا تكمن فقط في اسمها المرتبط بملف شديد الحساسية، بل في طبيعة القضايا التي ستلامسها، فالسجون، والاحتجاز، والشكايات، والضمانات الأولى بعد التوقيف، وتدبير الاحتجاجات، وظروف الفئات الهشة داخل أماكن الحرمان من الحرية، كلها ملفات لا تكون عادة في صدارة النقاش العمومي، لكنها تصنع جزءاً أساسياً من صورة الدولة أمام آليات التقييم الدولية.
والأكثر دلالة أن المساهمات الموجهة إلى المقررة الخاصة ستُعامل بسرية، ويمكن أن تُستعمل في التحضير للزيارة أو في إعداد التقرير الذي سيُعرض لاحقاً أمام مجلس حقوق الإنسان سنة 2027، بما يعني أن الرواية الرسمية لن تكون وحدها داخل الملف، بل ستجاورها معطيات قد تأتي من جمعيات، ومنظمات، وضحايا مفترضين، وعائلات، ومحامين، وفاعلين حقوقيين ومؤسساتيين.
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي، ليس لأن الزيارة تحمل حكماً مسبقاً على المغرب، بل لأنها تضع التجربة الحقوقية الوطنية أمام اختبار تعدد السرديات، فحين يصبح الملف مفتوحاً أمام مساهمات مختلفة، لا يعود السؤال محصوراً فيما تقوله الدولة عن نفسها، بل يمتد إلى ما تقوله الوقائع، والشكايات، والتقارير، والتجارب الفردية داخل مسارات الاحتجاز والعدالة.
وتكتسب الزيارة بعداً إضافياً بإدراج العيون ضمن مسارها، إلى جانب الرباط ومناطق أخرى من المغرب، فكل حضور أممي في هذه المدينة يحمل بطبيعته حساسية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها بنقاش حقوقي ودبلوماسي أوسع، يجعل التفاصيل المحلية قابلة أحياناً لقراءات تتجاوز حدودها الإدارية المباشرة.
لا يتعلق الأمر بإدانة للمغرب، ولا بفتح محاكمة إعلامية موازية، ولا بإصدار حكم قبل حصول الزيارة، بل يتعلق بقراءة سياسية لوثيقة أممية رسمية تكشف حجم الأسئلة التي سترافق موعداً حقوقياً حساساً، في بلد يراهن كثيراً على صورته المؤسساتية، وعلى قدرته على تقديم نموذج إصلاحي مستقر في محيط إقليمي مضطرب.
في السياسة، لا تصنع الصورة الدولية بالتصريحات وحدها، بل تصنع أيضاً بطريقة التعامل مع الملفات الصعبة، وبمدى قدرة المؤسسات على تحويل الانفتاح إلى أجوبة مقنعة، لا إلى مجرد إشارات رمزية للاستهلاك الخارجي.
وقد يكون أمام المغرب، في هذه الزيارة، هامش مهم لتقديم ما يعتبره منجزات وإصلاحات، سواء في مجال الضمانات القانونية، أو مراقبة أماكن الاحتجاز، أو تطوير آليات الشكاية، أو تحسين ظروف السجناء، غير أن الرهان لا يكمن في عرض الإصلاحات فقط، بل في مدى قدرتها على الصمود أمام أسئلة الممارسة اليومية.
فالصورة الحقوقية لا تُختبر في النصوص وحدها، بل في اللحظات الأولى للتوقيف، وفي طريقة تلقي الشكايات، وفي جدية التحقيقات، وفي ظروف أماكن الاحتجاز، وفي حماية الأشخاص الموجودين تحت سلطة الدولة، وفي المسافة الفاصلة بين القاعدة القانونية وما يعيشه المواطن أو المهاجر أو السجين أو المحتج على الأرض.
زيارة المقررة الأممية حول التعذيب إلى المغرب ستكون، إن تمت وفق البرنامج المعلن، لحظة دقيقة في علاقة البلاد بآليات الأمم المتحدة، ليست لأنها تحمل بالضرورة خلاصات محرجة، بل لأنها تفتح ملفات تعرف الدولة والمجتمع حساسية الاقتراب منها.
وإذا كانت الرباط قد اختارت استقبال هذه الزيارة بدعوة رسمية، فإن الامتحان الأهم سيكون في تحويل هذا الانفتاح إلى تمرين حقيقي في الشفافية، لا إلى مجرد عنوان دبلوماسي جميل.
أحياناً لا تأتي الأسئلة الثقيلة بصوت مرتفع، بل تأتي في نداء مفتوح، بلغة تقنية، وبأجل محدد، ثم تترك السياسة وحدها أمام المرآة.
