بقلم: الباز عبدالإله
نشرت صحيفة The Objective الإسبانية، اليوم الجمعة 29 ماي 2026، مقالاً اقتصادياً حول ارتفاع صادرات إسبانيا من البنزين والفيول والكيروسين، في سياق دولي متوتر يطغى عليه القلق من اضطرابات الإمداد المرتبطة بأزمة مضيق هرمز.
ومن زاوية مغربية، يكتسب المقال أهميته من ورود اسم المغرب ضمن قراءة إسبانية تتناول مسارات غير مباشرة تُثار حولها تساؤلات داخل قطاع الطاقة بشأن المنتجات النفطية الروسية المتجهة نحو الأسواق الأوروبية.
المقال، الذي استند إلى معطيات رسمية إسبانية صادرة عن مؤسسة الاحتياطيات الاستراتيجية للمنتجات النفطية، أشار إلى أن إسبانيا رفعت صادراتها من بعض المنتجات النفطية المكررة خلال شهر مارس 2026، في وقت تتحرك فيه أوروبا وسط ضغط متزايد على سلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، وحسابات العقوبات المرتبطة بروسيا.
في الظاهر، نحن أمام خبر اقتصادي عن صادرات وبنزين وكيروسين وفيول وتراجع للديزل، لكن السياسة، كعادتها، تعرف كيف تدخل من الفقرة الخلفية، فالصحيفة أوردت، نقلاً عن أصوات داخل القطاع، أن روسيا قد تلجأ إلى دول ثالثة لتسويق نفطها الخام أو بعض منتجاتها نحو أوروبا، مشيرة إلى تركيا والمغرب وسنغافورة ضمن الدول التي تُطرح حولها هذه التساؤلات.
هنا يجب الانتباه جيداً، فالمقال لا يقدم حكماً رسمياً، ولا يتحدث عن قرار قضائي، ولا يثبت أي تورط مباشر للمغرب، بل ينقل تقديرات ومخاوف قطاعية داخل سياق أوروبي شديد الحساسية، تحكمه العقوبات على روسيا، واضطراب الطاقة، والبحث المتزايد عن الوقود قبل صيف يعرف عادة ضغطاً كبيراً على الطيران والنقل.
ورود اسم المغرب في هذا السياق لا ينبغي أن يُقرأ كاتهام، بل كإشارة إلى أهمية موقعه التجاري والبحري ضمن خريطة متوسطية تتحرك فيها الموانئ، وشهادات المنشأ، وسلاسل التوريد، وحسابات الشركاء الأوروبيين.
اللافت أن إسبانيا تظهر في المقال كبلد يسعى إلى الاستفادة من الظرف الدولي، بفضل مرونة مصافيه وقدرته على التصدير، بينما يرد اسم المغرب ضمن نقاش أوسع حول المسارات التجارية التي تثير اهتمام الفاعلين الأوروبيين في زمن العقوبات واضطراب الطاقة.
المغرب، الذي يحرص على ترسيخ صورته كشريك اقتصادي موثوق لأوروبا، يجد نفسه أمام نوع جديد من الأسئلة، ليست أسئلة حقوقية هذه المرة، ولا دبلوماسية مباشرة، بل أسئلة طاقية وتجارية مرتبطة بكيفية قراءة الشركاء الأوروبيين لحركة السلع والطاقة داخل المنطقة.
فالطاقة اليوم لم تعد مجرد براميل وأسعار، بل صارت لغة نفوذ، وممرات، وموانئ، وعقوبات، وخرائط مصالح تُقرأ بدقة في العواصم الأوروبية.
في هذا النوع من الملفات، تزداد أهمية وضوح المعطيات، وفهم سلاسل التوريد، وتقديم صورة دقيقة عن المسارات التجارية، بما يحمي صورة المغرب كشريك منخرط في الاقتصاد الإقليمي والدولي وفق قواعد واضحة.
لا يعني ذلك أن المغرب متهم، ولا ينبغي كتابة الأمر بهذه الطريقة، لكن السياسة الذكية تلتقط الإشارات قبل أن تتحول إلى تأويلات، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالطاقة والعقوبات وروسيا وأوروبا.
أزمة هرمز بعيدة جغرافياً، لكنها قريبة من حسابات الدول والأسواق، فكل اضطراب هناك يصل صداه إلى الطائرات والمحطات والمصافي والأسعار، وربما إلى جداول حكومات تتابع بعناية توازنات الطاقة العالمية.
أما المغرب، فليس مطلوباً منه أن يشرح كل مقال أجنبي، لكن وضوح الصورة الاقتصادية والطاقية يبقى جزءاً من قوة الموقع، خصوصاً في زمن أصبحت فيه التجارة الدولية تُقرأ من خلال التفاصيل الصغيرة بقدر ما تُقرأ من خلال المواقف الكبرى.
الخبر الإسباني لا يمنح حكماً جاهزاً، لكنه يمنح زاوية دقيقة، فالمغرب في زمن الطاقة المضطربة يحتاج إلى تثبيت صورته كشريك واضح، موثوق، وقادر على تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة استراتيجية لا إلى مساحة مفتوحة للتأويل.
ليست كل الأسئلة تأتي من الرباط، فبعضها يأتي من مدريد، في فقرة اقتصادية صغيرة، وسط مقال عن البنزين والكيروسين، وهذا وحده كافٍ لفهم أن السياسة، أحياناً، تختبئ داخل خزان وقود.
