فتح الإعلامي توفيق بوعشرين، في حلقة من برنامجه “كلام في السياسة” المنشورة على قناته بموقع يوتيوب، واحداً من أكثر الملفات حساسية في علاقة السياسة بالعقار، بعدما توقف عند صفقة بيع أرض واسعة بمنطقة تسلطانت ضواحي مراكش، مرتبطة باسم فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وعمدة مراكش، والقيادية البارزة في حزب الأصالة والمعاصرة.
بوعشرين قدم الملف باعتباره أكثر من عملية بيع عادية بين خواص.
بالنسبة إليه، نحن أمام قصة تتداخل فيها الأرض مع السلطة، والتعمير مع النفوذ، والعائلة مع السياسة، والمال مع القرار العمومي، داخل مدينة لا تشبه باقي المدن، لأنها مراكش، عاصمة السياحة، وواحدة من أكثر المجالات جاذبية للاستثمار العقاري في المغرب.
في قلب هذا الملف توجد أرض تعرف باسم “عائشة” بمنطقة تسلطانت، قال بوعشرين إن مساحتها تتجاوز 66 هكتاراً، وإنها بيعت سنة 2023 من طرف فاطمة الزهراء المنصوري وشقيقيها لفائدة شركة عقارية، بثمن بلغ حوالي 266 مليون درهم، أي ما يعادل 26 ملياراً و600 مليون سنتيم.
هنا توقف بوعشرين عند السؤال الكبير: كيف يمكن لأرض قُدمت في العقد، حسب ما عرضه، كأرض فلاحية وغير قابلة للبناء في لحظة البيع، أن تباع بحوالي 400 درهم للمتر المربع؟.
السؤال، في نظره، ليس في البيع نفسه، لأن البيع حق، ولا في الملكية نفسها، لأن الملكية الخاصة يحميها القانون، بل في طبيعة الثمن، وتوقيت العملية، والموقع السياسي والإداري للشخص المعني بالملف.
فالمنصوري، كما شدد بوعشرين، ليست مجرد مالكة ضمن عائلة ورثت عقاراً واسعاً.
هي في الوقت نفسه وزيرة مسؤولة عن التعمير، وعمدة لمدينة مراكش، وقيادية في حزب يوجد داخل التحالف الحكومي، وله حضور واضح في الخريطة المحلية والجهوية.
ومن هنا اعتبر بوعشرين أن الملف يطرح سؤالاً مركزياً حول تضارب المصالح، أو على الأقل حول احتمال تضارب المصالح، حين تكون المسؤولة العمومية قريبة من القرار الذي يمكن أن يغير مستقبل الأرض، وقيمتها، وموقعها داخل وثائق التعمير.
وبحسب ما عرضه بوعشرين في الحلقة نفسها، فإن العقد الذي سبق أن نشرته منصة “جبروت” يتضمن إشارات تفيد بأن الأرض ذات طبيعة فلاحية، وأن المشتري تم تنبيهه إلى ضرورة التأكد من وضعيتها لدى الإدارات المختصة، مع تحميله مسؤوليته بخصوص عدم قابليتها للبناء في ذلك الوقت.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يشتري مستثمر عقاري أرضاً بهذه المساحة، وبهذا الثمن، إذا كان يعلم أنها غير قابلة للبناء؟.
هل كان يشتري التراب كما هو، أم كان يراهن على مستقبل عمراني قادم؟.
هل كانت هناك معطيات حول التحول المرتقب لمنطقة تسلطانت؟.
وهل كانت هذه المعطيات متاحة للجميع بالدرجة نفسها، أم أن بعض الفاعلين كانوا يقرأون خرائط الغد قبل غيرهم؟.
بوعشرين لم يقدم الملف كحكم قضائي، بل كقضية تستدعي التحقيق والتوضيح.
لكنه اعتبر أن اجتماع مجموعة من القرائن يجعل الملف ثقيلاً سياسياً: ثمن البيع المرتفع، طبيعة الأرض كما وردت في العقد، موقع الوزيرة في قطاع التعمير، وضعها كعمدة لمراكش، ثم ما تلا ذلك من حديث عن مشاريع عقارية فاخرة وبنيات تحتية واتفاقيات تهيئة بالمنطقة.
وحسب ما أورده بوعشرين، فإن الأرض التي كانت موضوع نقاش حول طبيعتها وإمكانية تقسيمها، أصبحت اليوم مرتبطة بمشروع عقاري فاخر يضم فيلات ومرافق ومساحات صغيرة، بأسعار مختلفة تماماً عن الثمن الذي بيعت به الأرض في أصل الصفقة.
وهنا تبرز الفكرة الأعمق في طرح بوعشرين: العقار في المغرب لا يصبح ذهباً فقط لأنه تراب جيد، بل لأنه أحياناً يقترب من الخرائط، ومن التوقيعات، ومن المعلومة التي لا يمتلكها الجميع.
في المقابل، استحضر بوعشرين رواية فاطمة الزهراء المنصوري، التي أكدت في توضيحات سابقة أن العقار المعني ليس أرضاً فلاحية كما يتم تداوله، وأنه مشمول بتصميم تهيئة مصادق عليه سنة 2017، أي قبل توليها المسؤولية الحكومية الحالية، نافية وجود أي علاقة بين عملية البيع وبين أي إعفاء أو تعيين أو قرار إداري.
غير أن بوعشرين اعتبر أن هذا التوضيح لا يغلق النقاش.
فإذا كانت الأرض غير فلاحية، كما تقول الوزيرة، فلماذا ورد في العقد، حسب ما تم عرضه، وصفها كأرض ذات طبيعة فلاحية؟.
وإذا كانت المساطر كلها سليمة، فلماذا لا يتم نشر الوثائق التعميرية الكاملة المرتبطة بهذه الأرض والمنطقة، حتى يتضح للرأي العام ما وقع قبل البيع، وما وقع بعده، وما إذا كان التحول العمراني قد تم وفق مسار عادي ومعلن للجميع؟.
الملف، كما قدمه بوعشرين، لا يقف عند حدود الأرض الأولى.
فقد تحدث أيضاً عن معطيات نشرها موقع “لوديسك”، تفيد بأن شقيق الوزيرة واصل اقتناء أراض فلاحية أخرى في المحيط نفسه، بعد عملية البيع الأولى، وهو ما اعتبره مؤشراً على أن المنطقة أصبحت موضوع رهان عقاري منظم، لا مجرد صدفة معزولة.
وهذا ما يمنح القضية بعداً أوسع.
فنحن لسنا فقط أمام صفقة، بل أمام مجال ترابي كامل يتحول بسرعة، وأمام سؤال عن كيفية صناعة القيمة العقارية في المغرب، ومن يستفيد من انتقال مناطق فلاحية أو شبه فلاحية إلى مناطق قابلة للبناء والتجزئة والاستثمار.
بوعشرين ذهب أبعد من ذلك حين ربط الملف بسؤال غياب قوانين قوية وفعالة لمحاربة تضارب المصالح، وبالنقاش المؤجل حول التصريح بالممتلكات، وبسؤال “من أين لك هذا”، الذي ظل يطفو في الحياة السياسية ثم يختفي كلما اقترب من مناطق النفوذ.
في قراءته، ليست المشكلة في أن يملك مسؤول أو عائلته أرضاً.
المشكلة تبدأ حين تتقاطع هذه الملكية مع موقع القرار، ومع القدرة على التأثير في وثائق التعمير، أو على الأقل مع القرب من المؤسسات التي تصنع مستقبل المجال.
وهنا يصبح المطلوب ليس التشهير، ولا المحاكمة الإعلامية، بل الشفافية الكاملة.
المطلوب، كما يفهم من منطق الحلقة، أن تظهر الوثائق، وأن تتحرك مؤسسات الرقابة، وأن يعرف الرأي العام هل نحن أمام استثمار عائلي مشروع تم في ظروف عادية، أم أمام نموذج من الريع العمراني بواجهة قانونية أنيقة.
سياسياً، وضع بوعشرين الملف في سياق حساس.
فالمغرب يقترب من انتخابات 2026، وحزب الأصالة والمعاصرة يوجد داخل الأغلبية الحكومية، وفاطمة الزهراء المنصوري كانت تقدم في بعض القراءات كواحدة من الوجوه الممكنة في ترتيبات المرحلة المقبلة.
لكن ملف تسلطانت، إذا استمر في الاتساع، قد يتحول من قضية عقارية إلى عبء سياسي، ليس فقط على الوزيرة، بل على الحزب، وعلى صورة التحالف الحكومي، وعلى الخطاب الرسمي حول التخليق والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بوعشرين تحدث عن ثلاثة احتمالات.
إما أن تمر العاصفة كما مرت عواصف كثيرة في المغرب، ببعض التوضيحات، وقليل من الصمت، وكثير من النسيان.
وإما أن يتحول الملف إلى ورقة سياسية وانتخابية ثقيلة ضد حزب الأصالة والمعاصرة، خصوصاً إذا تحولت تسلطانت إلى رمز لتداخل السلطة بالعقار.
وإما أن يدفع الملف إلى إعادة ترتيب هادئة للأوراق، إذا تبين أن كلفة الصمت أصبحت أكبر من كلفة التوضيح.
لكن السؤال الأعمق في الحلقة لم يكن حول مصير فاطمة الزهراء المنصوري وحدها.
السؤال كان حول الدولة نفسها.
هل يمكن بناء مدن حديثة بخرائط غير شفافة؟.
هل يمكن الحديث عن العدالة المجالية بينما تتحول بعض الأراضي إلى ثروات ضخمة بمجرد اقترابها من القرار؟.
هل يمكن للسياسة أن تستعيد احترام الناس إذا ظل المواطن يشعر بأن البعض يعرف مستقبل العقار قبل أن يعرفه السوق؟.
تسلطانت، كما صاغها بوعشرين، لم تعد مجرد منطقة في ضواحي مراكش.
لقد أصبحت امتحاناً للشفافية.
وامتحاناً للحكومة.
وامتحاناً للأحزاب.
وامتحاناً للمؤسسات المكلفة بالرقابة.
وامتحاناً لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن المسؤولية العمومية لا يجب أن تتحول إلى نافذة مفتوحة على الثراء الخاص.
إلى أن تظهر الوثائق الكاملة، وإلى أن تقدم المؤسسات جواباً مقنعاً، سيبقى الملف معلقاً فوق المشهد السياسي المغربي.
ليس لأنه يخص أرضاً واحدة، أو وزيرة واحدة، أو حزباً واحداً.
بل لأنه يكشف السؤال القديم الجديد في المغرب: متى ينتهي زمن الخلط بين السلطة والثروة، وبين التعمير والريع، وبين الخرائط العمومية والحسابات الخاصة؟.
