بقلم: الباز عبدالإله
كلما اقترب المغرب من موعد مونديال 2030، اتجه الاهتمام العمومي إلى الملاعب، والطرق، والمطارات، والفنادق، وباقي البنيات المرتبطة بتنظيم حدث رياضي بهذا الحجم الدولي.
غير أن هذا الورش لا ينحصر في البنية التحتية وحدها، بل يمتد إلى مجال أقل حضوراً في النقاش العام، يتعلق بالعقود، والالتزامات، والنزاعات، والتحكيم، وحقوق اللاعبين، وصفقات البث والرعاية، وعلاقات الشركات، وما قد يرافق ذلك من كلفة قانونية ومؤسساتية.
في تقرير منشور يوم 29 ماي 2026 على منصة Daily Jus by Jus Mundi، تحت عنوان When Local Experts Take the Floor: Morocco, North Africa & MENA Global Forecasts at Paris Arbitration Week 2026، حضرت التجربة المغربية ضمن نقاش قانوني دولي حول التحكيم، من زاوية الرياضة أولاً، ثم من زاوية الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمنازعات التجارية والمؤسساتية.
وأشار التقرير، ضمن تغطيته لجلسة حول التحكيم الرياضي في المغرب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى أن الاقتصاد الرياضي المغربي مثّل سنة 2024 حوالي 1.56 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وخلق ما يقارب 11.500 منصب شغل مباشر، مع تقدير حجم الاستثمارات المرتبطة بتحضيرات مونديال 2030 بنحو 5 مليارات دولار.
تعكس هذه المعطيات اتساع وزن الرياضة داخل الاقتصاد الوطني، وتحولها التدريجي من مجال ترفيهي إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، بما يفرض طرح أسئلة موازية حول الإطار القانوني والمؤسساتي القادر على مواكبة هذا التحول.
وعندما تصبح الرياضة سوقاً واسعة، ويتحول المونديال إلى ورش وطني ودولي مفتوح على عقود ضخمة وشركاء متعددين، لا يبقى النقاش محصوراً في جاهزية الملاعب أو المدن، بل ينتقل إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة منظومة التحكيم الرياضي والتجاري على مواكبة حجم الالتزامات والنزاعات المحتملة.
من هذه الزاوية، يصبح التحكيم أحد العناصر الأساسية في تقييم جاهزية المغرب لمونديال 2030.
فالمنازعات الرياضية لا تبدأ دائماً في قاعات دولية، بل تنطلق في حالات كثيرة داخل الجامعات والهيئات الرياضية الوطنية، قبل أن تتدرج نحو آليات التحكيم الوطنية أو الدولية، حيث تحضر هيئات الفيفا، ثم محكمة التحكيم الرياضي، باعتبارها مرجعاً حاسماً في عدد من الملفات ذات الطابع الدولي.
وبذلك، فإن اللاعب أو النادي أو الشركة المتعاقدة يتحركون داخل شبكة قانونية معقدة، تشمل العقود، والاختصاص، والقانون الواجب التطبيق، وآليات الطعن، وكلفة الولوج إلى العدالة الرياضية.
وتوقف التقرير عند نقطة أساسية في التحكيم الرياضي الدولي، تتعلق بأسئلة الاحتكار، واستقلالية المحكمين، واللوائح المغلقة، وكلفة اللجوء إلى العدالة الرياضية، خصوصاً بالنسبة إلى اللاعبين أو الأطراف الأقل قدرة مالية داخل السوق الرياضي.
هذه المعطيات لا تبدو تقنية محضة، بل ترتبط بسؤال أوسع حول العدالة داخل اقتصاد رياضي يتوسع بسرعة.
وإذا كان المغرب يستعد لتنظيم أكبر حدث رياضي في تاريخه الحديث، فإن التحضير لا ينبغي أن يقتصر على المدرجات والمرافق والبنيات التحتية، بل يفترض أن يمتد إلى قواعد التعاقد، ومراقبة الالتزامات، وآليات فض النزاعات، والضمانات القانونية المرتبطة بمختلف الأطراف.
فالنزاعات المحتملة قد ترتبط بعقود البث، أو صفقات الرعاية، أو علاقات الأندية باللاعبين الأجانب، أو عقود التجهيز، أو التأخر في الإنجاز، أو الشروط التحكيمية المضمنة في العقود الكبرى.
وفي الجانب المرتبط بالإصلاحات القانونية، أشار التقرير إلى قانون التحكيم المغربي رقم 95-17، المعتمد سنة 2022، وإلى مرسوم صدر سنة 2024 أحدث أول لائحة رسمية للمحكمين، نُشرت سنة 2025، وتديرها وزارة العدل مع تحيين سنوي.
ويؤكد هذا المعطى أن المغرب لا يدخل مرحلة التحضير للمونديال من فراغ قانوني، بل في سياق إصلاحات تروم تنظيم مجال التحكيم، وتعزيز جاذبية البلاد أمام المستثمرين والفاعلين المرتبطين بالعقود الكبرى.
غير أن وجود الإصلاحات لا يلغي الحاجة إلى تقييم الجاهزية العملية لهذه المنظومة.
فالتقرير يلمح إلى استمرار بعض الإشكالات داخل الممارسة التحكيمية، من بينها الحضور الواسع للتحكيم الحر، أو ما يعرف بـ ad hoc arbitration، إضافة إلى ملاحظات مرتبطة بتنفيذ الأحكام التحكيمية، خصوصاً عندما تكون أطراف عمومية أو أصول عامة حاضرة في النزاع، فضلاً عن نقاشات تتصل بآجال الطعن وضمانات المسطرة.
هنا ينتقل النقاش من الإطار القانوني النظري إلى سؤال الحكامة.
فالدولة التي تستعد لتنظيم مونديال 2030 تحتاج، إلى جانب البنيات الرياضية والخدماتية، إلى منظومة تعاقدية واضحة، ومؤسسات قادرة على التعامل مع النزاعات بكفاءة وشفافية، وقواعد إجرائية تمنح الثقة للفاعلين الوطنيين والدوليين.
ويركز النقاش العمومي في المغرب، بشكل طبيعي، على الكلفة، والبنيات، والمدن، والنقل، والفنادق، وهي عناصر ضرورية في أي تنظيم ناجح، غير أن سؤال التحكيم يظل جزءاً أساسياً من السيادة الاقتصادية والقانونية، لأنه يحدد من يحسم النزاعات، وبأي لغة، ووفق أي قانون، وداخل أي فضاء مؤسساتي، وبأي كلفة.
هذه الأسئلة قد لا تحظى بالاهتمام الواسع نفسه الذي تحظى به الأوراش المرئية، لكنها تظل حاسمة في تقييم الأثر المؤسسي لمونديال 2030.
فنجاح هذا الحدث لا يقاس فقط بجودة التنظيم، بل أيضاً بما سيتركه من قدرات قانونية، ومؤسساتية، وتعاقدية قادرة على خدمة الاقتصاد الرياضي وما يرتبط به من استثمارات وشراكات.
مونديال 2030 ليس مجرد موعد رياضي، بل اختبار واسع لقدرة الدولة والسوق والإدارة على تحويل الحدث إلى رافعة مؤسساتية دائمة.
ومن داخل هذا الاختبار، يبرز التحكيم باعتباره واحداً من الملفات الهادئة التي قد تحدد، في لحظة النزاع، مدى صلابة القواعد التي ستواكب أكبر ورش رياضي في تاريخ المغرب الحديث.
