تضع التحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب المنظومة الصحية أمام سؤال جديد، لا يتعلق فقط بتوسيع العرض الصحي أو تجهيز المستشفيات، بل بطريقة التفكير في الرعاية نفسها، خصوصاً حين يلتقي مرض ثقيل مثل السرطان مع مجتمع يتقدم بسرعة نحو الشيخوخة.
في هذا السياق، أعادت مراجعة علمية حديثة منشورة في مجلة Frontiers in Public Health بتاريخ 25 ماي 2026، بعنوان The oncogeriatric transition in Morocco: health-system challenges and strategic priorities in an aging society، فتح النقاش حول ما تسميه الدراسة “الانتقال الأونكو-جريَتري”، أي لحظة تقاطع علاج السرطان مع طب الشيخوخة، وما تفرضه من تحديات على نظام صحي مطالب بأن يرى المريض كاملاً، لا أن يرى الورم وحده.
أهمية هذه المراجعة لا تكمن فقط في كونها تضع السرطان داخل سياقه الطبي، بل في كونها تربطه بتحول ديمغرافي عميق يعرفه المغرب.
فحين تبلغ نسبة من تفوق أعمارهم 60 سنة حوالي 13.8 في المائة من سكان المغرب سنة 2024، ويقترب من تجاوزوا 65 سنة من 8 في المائة، فإن الأمر لا يعني فقط أن المغاربة صاروا يعيشون أطول، بل يعني أيضاً أن حاجات العلاج ستصبح أكثر تعقيداً، وأكثر ارتباطاً بالهشاشة، والأمراض المزمنة، والدعم الأسري، وكلفة التنقل، والقرب من مراكز العلاج.
السرطان، حين يصيب مريضاً متقدماً في السن، لا يكون مجرد تشخيص طبي عادي.
إنه يأتي غالباً في جسد يحمل أمراضاً مرافقة، وأدوية متعددة، وضعفاً في الحركة أو المناعة، وخوفاً نفسياً أكبر، واعتماداً أوسع على الأسرة، ما يجعل القرار العلاجي أكثر حساسية من مجرد اختيار بروتوكول طبي.
هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يعالج النظام الصحي عمر المريض كما يظهر في الوثائق، أم يعالج عمره الصحي الفعلي؟.
فقرار العلاج الكيميائي، أو الجراحة، أو العلاج الإشعاعي، أو الرعاية التلطيفية، لا يمكن أن يُبنى فقط على نوع الورم ومرحلته، بل يحتاج أيضاً إلى تقييم هشاشة المريض، وقدرته على تحمل العلاج، ووضعه النفسي والاجتماعي، ومدى توفره على مرافقة عائلية، ومسافة الطريق بين بيته والمركز المتخصص.
وتشير المراجعة إلى أن المغرب حقق تقدماً مهماً في تطوير بنيات علاج السرطان، غير أن المرحلة المقبلة تفرض مجهوداً مختلفاً، لا يقف عند الأجهزة والمراكز، بل يتجه نحو إدماج طب الشيخوخة داخل مسارات علاج الأورام بشكل أوضح وأكثر انتظاماً.
بمعنى آخر، لم يعد التحدي في علاج السرطان وحده، بل في علاج مريض سرطان مسن، قد تكون هشاشته جزءاً من المرض، وقد يصبح الطريق إلى العلاج عبئاً إضافياً إذا لم تكن المنظومة قريبة ومرنة ومنظمة.
وتزداد حساسية هذا الملف حين ننتقل من الطب إلى المجال.
ففي المدن الكبرى تبدو الخبرة الطبية أقرب، وتبدو فرص الولوج إلى العلاج أوسع، بينما قد يتحول العلاج في الجهات البعيدة إلى رحلة شاقة، يواجه فيها المريض المسن الورم من جهة، وكلفة النقل، وتعب المسافة، وثقل الانتظار، وغياب المرافقة العائلية من جهة أخرى.
لذلك لا يمكن اختزال الموضوع في بعده الصحي الضيق.
إنه سؤال عدالة مجالية، وحماية اجتماعية، وكرامة علاجية.
فالمريض المسن لا يحتاج فقط إلى موعد طبي، بل يحتاج إلى مسار واضح، ينسق بين علاج الأورام، والرعاية الأولية، وطب الشيخوخة، والدعم النفسي والاجتماعي، والرعاية التلطيفية عند الحاجة.
المغرب يعرف أن سكانه يتقدمون في السن.
ويعرف أن السرطان يزداد حضوراً داخل الأسر.
ويعرف أيضاً أن المريض المسن لا يدخل تجربة المرض بالشروط نفسها التي يدخل بها المريض الشاب.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي.
المطلوب أن تتحول هذه المعطيات إلى اختيارات صحية واضحة: تكوين أكبر في طب الشيخوخة، وإدماج تقييم الهشاشة في علاج السرطان، وتقريب الخدمات من الجهات، وتقوية السجلات الصحية، ودعم الأسر، وتوسيع الرعاية التلطيفية حتى لا تبقى آخر حل حين تضيق الخيارات.
فالشيخوخة ليست أزمة في حد ذاتها، بل نتيجة طبيعية لتحسن العمر المتوقع وتغير بنية المجتمع.
غير أن نجاح السياسات الصحية لا يقاس فقط بقدرتها على إطالة عمر المواطنين، بل بقدرتها على جعل هذا العمر أكثر كرامة وأقل ألماً حين يضعف الجسد، ويصبح الإنسان محتاجاً إلى رعاية قريبة، عادلة، وذكية.
الصحة حين تتقدم في العمر لا تحتاج فقط إلى مستشفيات أكثر تجهيزاً.
تحتاج إلى سياسة عمومية أكثر بصيرة، ترى الإنسان قبل الملف، والمريض قبل المرض، والكرامة قبل الأرقام.
