سجل المغرب حضوراً لافتاً في تقرير الثروة العالمية لسنة 2026 الصادر عن معهد Capgemini Research Institute، بعدما جاء ضمن أبرز الحالات الإفريقية من حيث نمو عدد أصحاب الثروات العالية خلال سنة 2025، بنسبة بلغت 16.8 في المائة، وهي النسبة التي جعلته الأسرع نمواً على مستوى القارة في هذه الفئة المالية المحددة.
هذا المعطى يمنح الاقتصاد المغربي صورة جاذبة داخل مؤشرات الثروة وحركة الرساميل، لكنه لا ينبغي أن يقرأ باعتباره رقماً للاحتفاء فقط، بل باعتباره مدخلاً لطرح نقاش أوسع حول طبيعة النمو الاقتصادي، ومسار تراكم الثروة، ومدى انعكاسه على الاستثمار المنتج، وفرص الشغل، والعدالة الضريبية، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية.
فتقرير Capgemini لا يتحدث عن الأغنياء بالمعنى العام، ولا عن كل من امتلك عقاراً، أو مقاولة صغيرة، أو سيارة فاخرة، بل يتحدث عن فئة مالية محددة بدقة، هي فئة الأشخاص الذين يملكون أصولاً قابلة للاستثمار تفوق قيمتها مليون دولار، دون احتساب السكن الرئيسي أو المقتنيات الشخصية.
هذا التعريف ينقل النقاش من الانطباع الاجتماعي حول الغنى إلى سؤال اقتصادي أكثر عمقاً، يتعلق بكيفية تشكل الثروة، وبالقطاعات التي تنتجها، وبقدرتها على التحول إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الحقيقي.
من حيث المبدأ، لا يمكن التعامل مع ارتفاع عدد أصحاب الثروات العالية باعتباره مؤشراً سلبياً في حد ذاته، فالثروة ليست تهمة، والغنى ليس جريمة، والاستثمار الخاص ليس خصماً للدولة أو المجتمع.
بل إن الاقتصاد المنتج يحتاج إلى رساميل قوية، ومقاولات قادرة على التوسع، ومبادرات خاصة تخلق القيمة، وتفتح مناصب الشغل، وتوسع القاعدة الضريبية، وتمنح السوق دينامية جديدة.
لكن النقاش يبدأ حين تكبر الثروة بسرعة، بينما يبقى أثرها الاجتماعي محدوداً أو بطيئاً، كأن المال يصعد في مصعد خاص، بينما ينتظر المجتمع في الطابق الأرضي.
من هنا يصبح رقم Capgemini مناسبة لطرح سؤال سياسي واقتصادي مشروع حول طبيعة هذا النمو، وهل يعكس توسعاً في الاقتصاد المنتج والمقاولات المبتكرة والقطاعات القادرة على خلق الشغل، أم يعكس تراكمات مالية وعقارية وسوقية لا يصل أثرها دائماً إلى جيب المواطن، ولا إلى المقاولة الصغيرة، ولا إلى المدرسة، ولا إلى المستشفى، ولا إلى سوق الشغل.
السؤال هنا لا يستهدف الأشخاص، ولا يحاكم النجاح الفردي، ولا يضع الغنى في خانة الاشتباه، بل يضع السياسات العمومية تحت المجهر.
فالدولة التي تراهن على الاستثمار، وتعلن أوراشاً كبرى، وتقدم نفسها كمنصة اقتصادية صاعدة، تحتاج في المقابل إلى منظومة تضمن ألا تتحول الثروة إلى جزيرة جميلة وسط بحر طويل من الانتظار الاجتماعي.
الاقتصاد لا يقاس فقط بعدد الذين صعدوا إلى الأعلى، بل يقاس أيضاً بقدرته على حماية الطبقة الوسطى، وتحسين الأجور، وخلق فرص شغل حقيقية، وتقوية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع الولوج إلى الصحة والتعليم، وجعل العدالة الضريبية قاعدة يومية لا شعاراً موسمياً.
هنا تظهر المفارقة المغربية بوضوح، فبلد يتحرك داخل بعض مؤشرات الثروة، ما تزال فئات واسعة من مجتمعه تتحرك تحت ضغط الأسعار، وهشاشة الشغل، وصعوبة الولوج إلى خدمات عمومية بجودة تقنع المواطن قبل أن تقنع التقارير.
المواطن العادي لا يقرأ مؤشرات الثروة كما يقرأها خبراء إدارة الأصول، بل يقرأها من ثمن الخضر، ومن فاتورة الكهرباء، ومن موعد الطبيب، ومن مقعد المدرسة، ومن أجرة تنقص قبل أن يصل الشهر إلى نصفه.
لذلك، لا يكفي أن يقال إن عدد أصحاب الثروات العالية في المغرب نما بسرعة، بل الأهم أن يسأل النقاش العمومي كيف يمكن تحويل هذا النمو إلى استثمار منتج، ومناصب شغل، وضرائب عادلة، وفرص أوسع، واقتصاد يفتح الأبواب أمام المبادرة ولا يترك المجتمع خارج المعادلة.
حين تنمو الثروة داخل اقتصاد منتج وعادل، فإنها تتحول إلى مصانع، ومقاولات، وابتكار، وخدمات، وفرص جديدة.
أما حين تنمو داخل اقتصاد محدود الأثر، فإنها تتحول إلى رقم جذاب في التقارير، لكنه يظل بعيداً عن حياة المواطن اليومية.
المغرب لا يحتاج إلى خصومة مع الثروة، بل يحتاج إلى مصالحة بين الثروة والأثر.
يحتاج إلى اقتصاد يكافئ المبادرة، لكنه لا يترك العدالة الاجتماعية في قاعة الانتظار.
ويحتاج إلى سياسات عمومية تجعل من تراكم الرساميل فرصة لتقوية الإنتاج، وتوسيع الشغل، وتحسين شروط العيش، لا مجرد عنوان آخر في تقرير دولي جميل.
رقم Capgemini مهم، لكنه ليس ميدالية تعلق على صدر الاقتصاد وينتهي النقاش.
إنه مرآة، والمرآة حين تكون صادقة لا تريك ما يلمع فقط، بل تريك أيضاً ما ينتظر الإصلاح.
فالثروة حين تكبر داخل بلد مسؤول، ينبغي أن تكبر معها الأسئلة حول الضريبة، والمنافسة، والحكامة، وتوزيع ثمار النمو.
أما حين تكبر الثروة وحدها، فإنها لا تصنع تنمية مكتملة، بل تصنع واجهة براقة، وخلفها طابور طويل من الأسئلة.
