بقلم: الباز عبدالإله
إسمنت ألماني ومشاريع البنية التحتية بالأقاليم الجنوبية: بين المؤشرات الاقتصادية والنقاش السياسي
أعادت معطيات نشرتها منظمة Western Sahara Resource Watch، المعروفة بمواقفها المناوئة للمغرب، ملف حضور الشركات الأجنبية في مشاريع البنية التحتية بالأقاليم الجنوبية إلى واجهة النقاش، بعدما أوردت أرقاماً منسوبة إلى أجوبة مرتبطة بالجمع العام لشركة Heidelberg Materials الألمانية، بشأن أنشطة فرعها المغربي Ciments du Maroc في العيون والداخلة.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من زاويتين متداخلتين: الأولى اقتصادية، ترتبط بمستوى نشاط الشركة في سوق مواد البناء داخل الأقاليم الجنوبية، والثانية سياسية وإعلامية، تعكس استمرار الجدل المرتبط بالتنمية والاستثمار في الصحراء المغربية داخل بعض الأوساط الأوروبية والدولية.
وبعيداً عن المقاربات المختلفة التي تُقدَّم من خلالها هذه المعطيات، فإن الأرقام المنشورة تفتح نقاشاً أوسع حول الدينامية التنموية والاستثمارية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، في ظل مشاريع مهيكلة تشهدها المنطقة، وما يرافق ذلك من تفاعلات سياسية وإعلامية على المستوى الدولي.
وحسب ما أوردته المنظمة، استناداً إلى أجوبة مرتبطة بالجمع العام لشركة Heidelberg Materials المنعقد يوم 13 ماي 2026، فقد جرى الحديث عن إنتاج يقارب 600 ألف طن من الإسمنت سنة 2025 في الصحراء المغربية، مقابل حوالي 500 ألف طن سنة 2024، إضافة إلى معطيات تتعلق بتزويد مشاريع للبنية التحتية في العيون والداخلة.
وتشير هذه الأرقام إلى نمو ملحوظ في نشاط إنتاج وتوزيع مواد البناء بالمنطقة، بما يعكس حجم المشاريع الجارية واحتياجاتها المتزايدة من الموارد المرتبطة بالبنية التحتية والتنمية العمرانية.
وفي هذا السياق، تبرز الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً يشهد استثمارات متواصلة في مجالات النقل واللوجستيك والبنيات الأساسية، ضمن رؤية تنموية تهدف إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي للمنطقة وتطوير دورها كمحور للتبادل مع العمق الإفريقي والواجهة الأطلسية.
ولا يقتصر النقاش على قطاع الإسمنت في حد ذاته، بل يمتد إلى دلالات أوسع تتعلق بمسارات التنمية والاستثمار في المنطقة، وبكيفية قراءة مختلف الأطراف لهذه التحولات من زوايا اقتصادية وسياسية وإعلامية متباينة.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى نشاط الشركات الدولية العاملة في المنطقة باعتباره مؤشراً على مستوى الجاذبية الاقتصادية التي أصبحت تتمتع بها الأقاليم الجنوبية، وعلى ارتباطها المتزايد بشبكات الإنتاج والاستثمار الوطنية والدولية.
كما أن تطور مشاريع البنية التحتية والمرافق الاقتصادية يعكس دينامية تنموية متواصلة، تتجسد في إنجازات ميدانية تشمل الموانئ والطرق والمنشآت اللوجستية والصناعية، بما يسهم في تعزيز تنافسية المنطقة واستقطاب المزيد من الاستثمارات.
وفي المقابل، يستمر الجدل السياسي والإعلامي المرتبط بهذه المشاريع، حيث تسعى بعض الجهات إلى إثارة نقاشات حول طبيعة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية بالمنطقة، في حين تركز المقاربات الأخرى على المؤشرات التنموية والنتائج الملموسة على أرض الواقع.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الذي تحظى به شركات مثل Heidelberg Materials، ليس فقط بالنظر إلى حجم نشاطها الاقتصادي، وإنما أيضاً لما تمثله مشاركتها في مشاريع التنمية والبنية التحتية من مؤشرات على الحضور المتزايد للفاعلين الاقتصاديين الدوليين في الأقاليم الجنوبية، وعلى اندماج هذه المناطق ضمن دينامية اقتصادية أوسع على المستويين الوطني والدولي.
هذا ما يضع المناوئين للمغرب أمام تحدٍ متزايد، فهم لا يواجهون اليوم مجرد مواقف أو تصريحات سياسية يمكن الرد عليها بخطابات مضادة، بل يواجهون واقعاً ملموساً يتجسد في مشاريع ومنشآت قائمة على الأرض.
يواجهون موانئ تعكس دينامية اقتصادية، وطرقات تعزز الربط المجالي، ومشاريع تنموية تتقدم وفق رؤية واضحة ومستقرة.
من جهته، يتعامل المغرب مع أقاليمه الجنوبية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مجاله الترابي، من خلال مقاربة ترتكز على الاستثمار والتنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار.
ولا يمكن اختزال هذه الدينامية في نقاشات تقنية مرتبطة بشركة أو مستوى إنتاج معين، لأنها تندرج ضمن رؤية استراتيجية أشمل تهدف إلى ترسيخ مكانة الجنوب المغربي كقطب اقتصادي واعد وبوابة نحو العمق الإفريقي.
في المقابل، يسعى الخطاب المناوئ للمغرب إلى تقديم مظاهر التنمية باعتبارها موضع تساؤل أو تشكيك.
فكل مشروع جديد يصبح موضوع جدل، وكل استثمار يثير محاولات للتأويل، وكل مؤشر اقتصادي إيجابي يُستحضر في سياقات سياسية.
وهي مقاربة تقوم على إثارة الشكوك حول المشاريع عندما يتعذر التأثير في مسارها أو نتائجها.
غير أن هذا النهج يعكس في كثير من الأحيان محدودية القدرة على تقديم بدائل واقعية أو رؤى تنموية منافسة.
فالمشاريع الكبرى تُقاس بأثرها على الأرض، والبنيات التحتية تُقيَّم بما توفره من فرص وإمكانات، والتنمية تكتسب مشروعيتها من انعكاساتها المباشرة على حياة السكان ومستقبل المناطق المعنية.
ومن الملاحظ أيضاً أن التركيز لدى بعض الأطراف ينصب بشكل أساسي على الشركات والمؤسسات الاقتصادية ومحاولة التأثير على قراراتها، أكثر مما ينصب على احتياجات الساكنة المحلية أو على التحولات التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية.
وهو ما يبرز أن جوهر الخلاف يرتبط في كثير من الأحيان باعتبارات سياسية وسرديات قائمة أكثر من ارتباطه بتقييم موضوعي للواقع التنموي.
لذلك، فإن قراءة هذه المعطيات تقتضي وضعها في سياق أوسع يتعلق بالتنافس حول صورة الصحراء المغربية على المستوى الدولي.
ففي الوقت الذي يسعى فيه البعض إلى إثارة التساؤلات حول مسار التنمية، يواصل المغرب تقديم مشاريع واستثمارات باعتبارها أدوات عملية لتعزيز النمو والاندماج الاقتصادي.
وبينما ينشغل البعض بمتابعة التفاصيل داخل التقارير والوثائق، تتواصل على أرض الواقع عملية بناء البنيات التحتية وتطوير المرافق الاقتصادية.
وهنا تتجلى الفوارق الأساسية بين المقاربتين: مقاربة ترتكز على الإنجاز والتنمية الميدانية، وأخرى تركز على التشكيك في تلك الإنجازات رغم ما تعكسه من تحولات ملموسة على أرض الواقع.
ولعل الرسالة الأقوى في هذا الملف أن مشاريع الصحراء المغربية صارت تفرض نفسها حتى على خصومها.
فحين يجدون أنفسهم مضطرين لمتابعة أرقام إنتاج الإسمنت وتفاصيل توريد المواد ومشاريع الموانئ، فهذا يعني أنهم يعترفون، ولو من باب الخصومة، بأن شيئاً كبيراً يحدث في الداخلة والعيون.
لقد أرادت المنظمة المناوئة للمغرب أن تجعل من الإسمنت عنواناً للضغط على شركة ألمانية.
لكن القراءة المغربية الهادئة ترى في الأمر عنواناً آخر: الصحراء المغربية تُبنى، ومشاريعها تتحول إلى واقع اقتصادي يصعب تجاهله.
وحين يصبح الواقع أقوى من الخطاب، يبدأ الخصوم في مطاردة التفاصيل الصغيرة. مرة في وثيقة شركة، ومرة في سؤال مساهم، ومرة في تقرير منظمة.
أما المغرب، فيواصل ما اختاره منذ سنوات: أن يجعل التنمية جواباً سياسياً، وأن يحوّل السيادة إلى ميناء وطريق ومصنع وشاحنة إسمنت.
وعلى هذا الأساس، قد تنجح بعض الجهات في إثارة نقاش داخل مؤسسات أو هيئات دولية، أو في استقطاب اهتمام إعلامي محدود، إلا أن ذلك لا يغير من واقع المشاريع المنجزة على الأرض ولا من الدينامية التنموية التي تشكل جزءاً من رؤية وطنية طويلة المدى.
هذه هي معادلة الصحراء المغربية اليوم: المغرب يبني حيث يملك مشروعاً، وخصومه يفتشون عن الاعتراض حيث لا يملكون بديلاً.
وحين يتحول الإسمنت إلى مصدر قلق سياسي، فذلك لا يعني أن البناء ضعيف، بل يعني أن البناء صار أقوى من قدرة الخصوم على تجاهله.
