وجّه تيار اليسار الجديد المتجدد نداءً سياسياً إلى مكونات الحركة الأمازيغية الديمقراطية، دعا فيه إلى بناء اصطفاف ديمقراطي جديد يؤسس لأفق تحرري مشترك، يربط بين سؤال الهوية واللغة والثقافة، وبين معارك الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية.
الوثيقة الصادرة عن التنسيقية الوطنية للتيار، والمؤرخة بالرباط في 30 ماي 2026، تحمل عنوان “نداء إلى الحركة الأمازيغية الديمقراطية من أجل اصطفاف ديمقراطي جديد يؤسس لأفق ديمقراطي تحرري مشترك”، وتقدم القضية الأمازيغية باعتبارها قضية ديمقراطية ووطنية ومجتمعية، لا مجرد مطلب لغوي أو ثقافي محدود.
ويعتبر النداء أن التحولات التي يعرفها المغرب والعالم تجعل قضايا الهوية والثقافة واللغة والذاكرة جزءاً أساسياً من معارك الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، مؤكداً أن أي مشروع ديمقراطي لا يمكن أن يتجاهل التعدد الثقافي واللغوي والحضاري الذي يميز المغرب.
ويرى تيار اليسار الجديد المتجدد أن القضية الأمازيغية ترتبط عضوياً بمسار التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبمشروع بناء دولة المواطنة والعدالة والسيادة الوطنية والشعبية. كما يربط النداء بين الاعتراف بالتعدد وبين مواجهة أنماط التهميش والإقصاء وإعادة إنتاج المركزية السلطوية.
وتتوقف الوثيقة عند ما تعتبره استمراراً لبعض التصورات الأحادية للهوية الوطنية، سواء داخل قراءات سياسية محافظة أو داخل بعض المرجعيات اليسارية القديمة التي ظلت، وفق مضمون النداء، متأثرة بنماذج فكرية مستوردة من المشرق أو من السياقات الغربية، ولا سيما الفرنكفونية منها.
وفي هذا السياق، يشدد النداء على أن بناء مشروع ديمقراطي متماسك لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على نماذج فكرية معزولة عن الخصوصيات الوطنية، كما أن التحرر الاجتماعي والاقتصادي يظل مرتبطاً بالتحرر الثقافي واللغوي. فالثقافة، بحسب التصور الذي يطرحه التيار، ليست عنصراً ثانوياً، بل ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي وديمقراطي متكامل.
كما يسجل النداء أن المغرب يمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة، من بينها اتساع الفوارق المجالية والاجتماعية، واستمرار بعض مظاهر الاختلال الديمقراطي، إلى جانب تنامي النقاشات المرتبطة بالهوية والثقافة الوطنية واللغة والعدالة التاريخية.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، يدعو تيار اليسار الجديد المتجدد إلى بلورة أفق ديمقراطي جديد يقوم على الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي والحضاري للمغرب، وعلى إعادة الاعتبار للإنسان المغربي ولمختلف مكونات شخصيته الوطنية، بما يجعل التعدد ركيزة فعلية في بناء السياسات والمؤسسات، لا مجرد عنصر رمزي في الخطاب العمومي.
ويثمن النداء الدور الذي اضطلعت به الحركة الأمازيغية الديمقراطية على مدى عقود، معتبراً أنها أسهمت في تعزيز النقاش العمومي حول الهوية والتعدد والعدالة الثقافية، وفي إعادة طرح أسئلة مرتبطة بالتاريخ الوطني وبعلاقة الديمقراطية بالتحرر الثقافي واللغوي والمجالي.
ومن هذا المنطلق، يدعو التيار إلى تعزيز التعاون والتنسيق بين الحركة الأمازيغية الديمقراطية وقوى اليسار الديمقراطي المتجدد، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً تفرضه متطلبات المرحلة الراهنة، وبما يسهم في بناء مشروع ديمقراطي أكثر شمولاً وقدرة على الاستجابة للتحولات المجتمعية.
يقترح النداء قاعدة سياسية لهذا الاصطفاف الجديد، تقوم على تجاوز التشرذم والانغلاق، وطيّ صفحات الإرث السلبي للماضي، والانتقال من منطق التفاعل الظرفي إلى منطق الشراكة النضالية والفكرية المستدامة، القائمة على الاحترام المتبادل والاستقلالية والتعددية.
وفي محوره البرنامجي، يحدد النداء مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها بناء دولة ديمقراطية مدنية ذات سيادة، تقوم على فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية والاقتصادية، ومواجهة اقتصاد الريع ومظاهر الفساد والتهميش.
كما يشدد على ضرورة ضمان المساواة الكاملة بين المواطنات والمواطنين دون أي تمييز لغوي أو ثقافي أو اجتماعي أو مجالي، وعلى التفعيل الفعلي والشامل للطابع الرسمي للأمازيغية في مجالات التعليم والإدارة والإعلام والقضاء والحياة العامة، بما يضمن ترجمة المقتضيات الدستورية إلى سياسات وممارسات ملموسة.
وتدعو الوثيقة كذلك إلى إعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية ولمختلف مكونات الهوية الوطنية، والعمل على صياغة قراءة ديمقراطية وعلمية لتاريخ المغرب، باعتبار ذلك ضرورة معرفية ووطنية، ومسؤولية سياسية وأخلاقية ومجتمعية.
ولا يقتصر النداء على التشخيص، بل يتضمن دعوة عملية إلى إرساء آليات مستدامة للتواصل والتنسيق بين الحركة الأمازيغية الديمقراطية وتيار اليسار الجديد المتجدد، والعمل على بلورة مبادرات وبرامج نضالية وفكرية وثقافية مشتركة، تربط بين أبعاد التحرر الثقافي والتحرر السياسي والاجتماعي.
كما يؤكد على أهمية دعم النضالات الاجتماعية والمجالية والبيئية والحقوقية بالمغرب، وتعزيز إدماج القضية الأمازيغية ضمن المشروع الديمقراطي التقدمي، والسعي إلى بناء جبهة مجتمعية ديمقراطية تقدمية قادرة على مواجهة مظاهر الانغلاق السياسي والاختيارات الليبرالية المتشددة ومختلف أشكال التراجع السياسي والثقافي.
وفي خلاصته، يطرح النداء رؤية لمغرب المستقبل باعتباره مغرباً ديمقراطياً وتعددياً وعادلاً ومتضامناً وذا سيادة، يعترف بجميع مكوناته الثقافية والحضارية، ويجعل من التنوع رافعة للوحدة والتنمية، لا وسيلة للإقصاء أو الهيمنة.
وتكمن أهمية هذه الوثيقة في كونها تحاول نقل النقاش حول الأمازيغية من مستوى الاعتراف الرمزي إلى مستوى البناء السياسي والمؤسساتي. فالأمازيغية، وفق التصور الذي يقدمه النداء، لا تُختزل في مطلب لغوي أو إداري، بل تُطرح كمدخل لإعادة التفكير في الدولة والديمقراطية والمشروع المجتمعي، وفي كيفية تدبير التعدد الثقافي ضمن إطار وطني جامع.
وبهذا المعنى، يضع تيار اليسار الجديد المتجدد الفاعلين في الحقل التقدمي أمام أسئلة جوهرية حول قدرة اليسار على التوفيق بين مشروعه الاجتماعي ومتطلبات العدالة الثقافية والهوياتية، وحول إمكانية بناء ديمقراطية فعلية دون إرساء أسس العدالة الثقافية واللغوية والتاريخية.
الوثيقة لا تقدم أجوبة نهائية، لكنها تفتح نقاشاً سياسياً وفكرياً ظل لسنوات مؤجلاً أو محصوراً في دوائر ضيقة. وهو نقاش تزداد راهنيته بالنظر إلى ارتباطه بسؤال الهوية والديمقراطية وبناء الدولة الحديثة، في مغرب لا يمكنه أن يتقدم دون اعتراف كامل وفعلي بتعدده الثقافي والحضاري.
