لا تنتهي معركة المواطن المغربي دائماً عندما ينصفه القضاء. فقد يحصل على حكم نهائي بعد سنوات من الانتظار ومصاريف التقاضي وأتعاب الدفاع، ثم يجد نفسه أمام معركة ثانية أكثر تعقيداً: إقناع إدارة عمومية بتنفيذ حكم قضائي أصبح ملزماً للجميع.
هذه المفارقة لم تعد مجرد شكايات فردية أو مواقف حقوقية، بل وثقها التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025، الذي قدمه وسيط المملكة حسن طارق، الخميس 23 يوليوز 2026 بالرباط، كاشفاً استمرار ممارسات إدارية تعطل تنفيذ أحكام وقرارات قضائية صادرة لفائدة مواطنين.
المفارقة الدستورية تبدو ثقيلة، فالفصل 124 من الدستور ينص على أن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك وطبقاً للقانون، بينما يؤكد الفصل 126 أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، وأن السلطات العمومية مطالبة بتقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة إذا صدر الأمر إليها، كما يجب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام.
لكن ما رصده وسيط المملكة يفيد بأن بعض الإدارات تتصرف، عملياً، كما لو أن الحكم النهائي ليس نهاية للنزاع، بل مجرد وثيقة جديدة يمكن إخضاعها للمراسلات والانتظار والتأويلات والمساطر الداخلية.
وسجلت المؤسسة خلال سنة 2025 ما مجموعه 337 ملفاً مرتبطاً بعدم تنفيذ الأحكام القضائية.
ورغم أن هذا الصنف لا يمثل النسبة الأكبر من أصل 6770 تظلماً توصلت بها المؤسسة، فإن خطورته لا تقاس بعدد الملفات وحده، لأن كل ملف من هذا النوع قد يعني أن مواطناً ربح حقه أمام القضاء، لكنه لم يحصل عليه على أرض الواقع.
ورصد التقرير، بحسب المعطيات المنشورة، استمرار امتناع بعض الإدارات عن التنفيذ أو تأخيرها له دون مبرر قانوني، رغم تبليغها بأحكام اكتسبت الصيغة التي تجعلها قابلة للتنفيذ.
كما سجل تعليق التنفيذ على مبررات تنظيمية أو مساطر داخلية كان من الممكن تجاوزها لو توفرت الإرادة الإدارية والبرمجة المالية الضرورية.
وتستند بعض الإدارات، وفق التقرير، إلى تأويلات مرتبطة بالمادة التاسعة من قانون المالية لتأجيل أداء المبالغ المحكوم بها أو تجزئتها.
غير أن هذه المادة لا تحول الحكم القضائي إلى توصية اختيارية، ولا تمنح الإدارة حق تجاهله، بل تنظم كيفية تنفيذ الأحكام المالية الصادرة ضد الدولة والجماعات الترابية ومؤسساتها، وتفرض برمجة الاعتمادات اللازمة لأدائها وفق الشروط والآجال المقررة.
المثير في ما رصده وسيط المملكة أن غياب الاعتمادات المالية لا يُقدّم دائماً باعتباره مشكلة ظرفية تتطلب حلاً، بل يتحول أحياناً إلى مبرر متكرر لعدم التنفيذ، من دون أن تبادر الإدارة المعنية إلى إدراج المبلغ المحكوم به ضمن ميزانيتها اللاحقة أو اقتراح تسوية مرحلية تضمن حصول المواطن على حقه.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كانت الإدارة تعلم بوجود حكم قضائي واجب التنفيذ، فلماذا لا تبرمج تنفيذه داخل ميزانيتها؟ ومن يتحمل مسؤولية المصاريف الإضافية التي قد تترتب عن التأخير، خصوصاً عندما يؤدي التعطيل الإداري إلى فتح دعاوى ومساطر قضائية جديدة تؤدى كلفتها في النهاية من المال العام؟
وتوقف التقرير كذلك عند شكل آخر من أشكال تعطيل الحقوق، يتمثل في التنفيذ الجزئي للأحكام.
فقد تكتفي بعض الإدارات بالتطبيق الحرفي لمنطوق الحكم، من دون ترتيب جميع آثاره القانونية والإدارية والمالية، ليجد المواطن نفسه مضطراً إلى العودة إلى القضاء للمطالبة بحقوق سبق للمحكمة أن حسمت فيها.
وبذلك، لا تعلن الإدارة رفضها الصريح للحكم، لكنها تنفذه من دون ترتيب جميع آثاره القانونية والإدارية والمالية، ما قد يفرغه من جزء من مضمونه أو يؤخر حصول المحكوم له على كامل حقوقه، ويجبره على فتح جولة قضائية جديدة.
وسجل وسيط المملكة أيضاً لجوء بعض الإدارات إلى الطعن في الأحكام ذريعة لعدم تنفيذها، حتى عندما يكون الطعن المقدم غير موقف للتنفيذ قانوناً.
كما رصد عدم احترام بعض اتفاقات التسوية الودية المتعلقة بتقسيط المبالغ المحكوم بها، بعد أن توافق الإدارة على جدول للأداء ثم تتراجع عن التزاماتها أو تتوقف عن تنفيذها.
ولا يقف التعطيل عند الخلاف حول المبالغ أو الاعتمادات المالية، بل يصل أحياناً إلى تفاصيل إجرائية يصعب تبريرها.
فقد انتقد التقرير مطالبة بعض الإدارات المواطنين بأصل النسخة التنفيذية للحكم، رغم وجودها ضمن ملف التنفيذ بالمحكمة، بما يحول إجراءً شكلياً إلى حاجز جديد يؤخر حصول المحكوم له على حقه.
أما في ملفات نزع الملكية، فقد رصدت المؤسسة حالات يتم فيها تسجيل العقار باسم الإدارة في المحافظة العقارية قبل صرف التعويض المحكوم به لفائدة المالك أو إيداعه لدى صندوق الإيداع والتدبير.
وتضع هذه الممارسة الإدارة في وضع يسمح لها بالتصرف في العقار بعد انتقال ملكيته إليها، بينما يظل مالكه السابق ينتظر التعويض الذي أقره له القضاء.
وهي وضعية اعتبرها وسيط المملكة مساساً بحق الملكية وبالأمن القانوني والقضائي، لأنها تفصل بين انتقال الملكية وأداء المقابل المالي الواجب للمواطن.
ولهذا رفعت المؤسسة مقترحاً إلى رئيس الحكومة يدعو إلى إلزام الإدارات بأداء التعويضات أو إيداعها قبل استكمال إجراءات نقل الملكية، حتى لا تستفيد الجهة نازعة الملكية من العقار بينما يبقى صاحبه محروماً من التعويض.
ولا ينفصل ملف الأحكام القضائية عن المؤشر العام المتعلق بسرعة تجاوب الإدارات مع توصيات وسيط المملكة.
فقد بلغ متوسط آجال تنفيذ توصيات المؤسسة 815 يوماً خلال سنة 2025، مقابل 672 يوماً سنة 2024، أي بزيادة قدرها 143 يوماً.
ولا يعني هذا الرقم أن تنفيذ الأحكام القضائية يستغرق بالضرورة 815 يوماً، لأنه يخص مجموع توصيات المؤسسة، لكنه يكشف حجم البطء الذي يطبع معالجة عدد من الملفات الإدارية.
كما ظل رصيد 557 توصية عالقاً في نهاية سنة 2025، رغم تراجعه مقارنة بـ640 توصية عالقة سنة 2024 و845 توصية سنة 2023.
وفي المقابل، سجل التقرير مؤشرات إيجابية، من بينها معالجة 9006 ملفات وصدور 1653 قراراً بالتسوية موزعة على 28 قطاعاً، ما يدل على أن جزءاً من الإدارات يتفاعل مع تدخلات المؤسسة.
غير أن انخفاض عدد التوصيات العالقة لا يلغي حقيقة أن متوسط زمن تنفيذها ارتفع إلى أكثر من سنتين.
تكمن خطورة الامتناع عن تنفيذ الأحكام في أنه لا يمس فقط بالمواطن الذي ينتظر تعويضاً أو تسوية إدارية، بل يضرب الثقة في الدولة نفسها.
فالقضاء لا يؤدي وظيفته كاملة بمجرد النطق بالحكم، لأن العدالة التي تبقى حبيسة الأوراق والملفات ليست عدالة مكتملة.
وعندما يحتاج المواطن إلى شكاية جديدة لدى وسيط المملكة، أو إلى دعوى إضافية، من أجل تنفيذ حكم حصل عليه سابقاً، فإن المشكلة لم تعد نزاعاً عادياً بين فرد وإدارة، بل تصبح سؤالاً عن مكانة القضاء داخل الدولة، وعن الجهة التي تحاسب المسؤول الإداري عندما يقرر تأخير حكم ملزم أو تنفيذه بصورة جزئية.
الأحكام تصدر باسم الملك وطبقاً للقانون، ولا يفترض أن تتحول، بعد وصولها إلى مكاتب الإدارة، إلى طلبات قابلة للقبول أو التأجيل.
فإما أن تكون الأحكام النهائية ملزمة فعلاً للجميع، كما ينص الدستور، أو يصبح المواطن مطالباً بربح القضية مرتين: مرة أمام القاضي، ومرة أمام الإدارة.
