بقلم: الباز عبدالإله
لم ينتظر الجدل المثار حول التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة وترشحه المرتقب للانتخابات التشريعية عن دائرة بركان حتى يهدأ، حتى وجد اسمه في مواجهة جديدة مع الصحافة، بعدما أعلنت هيئات مهنية تضامنها مع عادل القرموطي، مدير نشر جريدة «المحرر»، إثر متابعة قضائية قالت إنها جاءت بناءً على شكاية تقدم بها رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
الشكاية، وفق المعطيات التي نشرتها الجريدة والهيئات المتضامنة معها، ترتبط بمقال تناول تدبير مصاريف البعثة المغربية خلال كأس العالم بالولايات المتحدة، وطرح أسئلة بشأن عدد أفراد الوفد ونفقات الإقامة والتنقل والرحلات.
وهي مزاعم صحافية لم تثبت قضائياً، فيما لم تنشر الجامعة، إلى حدود إعداد هذا المقال، بياناً مفصلاً يوضح حقيقة الأرقام المتداولة أو يقدم روايتها بشأن المصاريف موضوع الجدل.
حق اللجوء إلى القضاء مكفول لفوزي لقجع، كما هو مكفول لأي مواطن يعتبر أن سمعته أو حقوقه تضررت بسبب مادة منشورة. غير أن القضية تتجاوز هنا نزاعاً شخصياً بين مسؤول وصحافي، لأن الطرف المشتكي ليس شخصية بعيدة عن تدبير الشأن العام، بل وزير منتدب مكلف بالميزانية، ورئيس جامعة تدبر كرة القدم الوطنية وتتصرف في موارد مالية مهمة، واسم مطروح بقوة للانتقال من موقع المسؤول التقني والرياضي إلى المنافسة الحزبية والانتخابية.
لهذا يظل السؤال مشروعاً: لماذا جرى اختيار بوابة القضاء قبل تقديم كشف مفصل بالمصاريف، أو استعمال حق الرد، أو نشر لائحة أعضاء الوفد وطبيعة مهامهم ومصادر تمويل إقامتهم وتنقلاتهم؟ وهل تحتاج مواجهة مقال صحافي إلى شكاية، أم إلى وثائق وأرقام قادرة وحدها على إسقاط أي معطى غير صحيح؟
اعتبرت الرابطة المغربية للصحافة المهنية أن متابعة عادل القرموطي تثير مخاوف مرتبطة بمستقبل حرية الصحافة، ودعت لقجع إلى تغليب الحوار والانفتاح على الإعلام.
كما طالبته بنشر المعطيات المتعلقة بمالية الجامعة وعقودها ومعاملاتها، وتوضيح أوجه صرف النفقات المرتبطة بالبعثة المغربية إلى الولايات المتحدة.
لا يعني موقف الرابطة أن ما نشرته «المحرر» أصبح حقيقة قضائية، ولا يمنح الصحافة حصانة من المساءلة عن الأخطاء المحتملة، لكنه يعيد النقاش إلى جوهره: المسؤول العمومي الذي يرفض الأرقام المنشورة لا يكفيه أن يواجه ناشرها أمام المحكمة، بل يصبح مطالباً أيضاً بتقديم الأرقام الصحيحة إلى الرأي العام، خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بأموال مؤسسة ذات صلة مباشرة بالشأن العام.
والأهم أن هذه ليست أول مواجهة قضائية معلنة بين لقجع والصحافة. ففي نونبر 2015، رفع لقجع، حين كان مديراً للميزانية ورئيساً للجامعة، دعوى قضائية ضد توفيق بوعشرين، مدير نشر جريدة «أخبار اليوم المغربية»، بسبب افتتاحية تناولت الجدل الذي رافق صندوق التنمية الفلاحية والمادة 30 من مشروع قانون المالية.
لم يكتف لقجع آنذاك بطلب التعويض، بل طالب، وفق ما نشرته منابر إعلامية متطابقة، بمنع بوعشرين من ممارسة الكتابة لمدة عشر سنوات، إلى جانب أداء تعويض مالي قدره مليون درهم، أي مائة مليون سنتيم.
ويجعل هذا المعطى الموثق من غير الدقيق تقديم قضية «المحرر» باعتبارها أول لجوء إلى القضاء في مواجهة منبر صحافي.
وقبل ذلك، في ماي 2014، أصدرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بلاغاً نفت فيه ما نشرته يومية «الناس» بشأن إسناد صفقتين بقيمة إجمالية بلغت 600 مليون سنتيم، وأعلنت عزمها اللجوء إلى القضاء ضد الجريدة.
غير أن المصادر المفتوحة التي أمكن الاطلاع عليها لا تسمح بالجزم بأن الدعوى وُضعت فعلاً أو بتحديد مآلها، لذلك يبقى الثابت هو التهديد المعلن بالمتابعة، وليس صدور حكم أو حتى تسجيل دعوى مؤكدة.
تكرار اللجوء إلى القضاء لا يثبت، في حد ذاته، وجود خطة لإسكات الصحافة، ولا يجوز قانوناً تحويل النية المفترضة إلى واقعة محسومة.
لكنه يسمح سياسياً بطرح سؤال حول الطريقة التي سيتعامل بها لقجع مع النقد إذا انتقل رسمياً إلى موقع المرشح الحزبي والبرلماني، وربما إلى أدوار سياسية أكبر تروج حولها تكهنات متزايدة.
المعطيات التي نشرتها «هسبريس» و«صوت المغرب» تفيد بأن اتفاقاً جرى بين لقجع وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة للالتحاق بالحزب والترشح بدائرة بركان، مع حديث عن إمكانية دخوله المكتب السياسي.
لكن، إلى حدود إعداد هذا المقال، لم يصدر إعلان شخصي مفصل من لقجع أو بلاغ حزبي رسمي يحدد طبيعة التحاقه وموقعه التنظيمي، وهو ما يفرض نسبة المعطيات إلى مصادرها وعدم تقديم جميع تفاصيلها باعتبارها قرارات تنظيمية مكتملة.
التزامن، مع ذلك، ثقيل سياسياً.
فالانتخابات التشريعية محددة رسمياً يوم 23 شتنبر 2026، والحملة الانتخابية ستنطلق يوم 10 شتنبر.
وإذا تأكد ترشح لقجع باسم «الجرار»، فلن يبقى مجرد مسؤول يمكن أن يعتبر بعض الأسئلة الصحافية تدخلاً في نطاقه الخاص، بل سيصبح مرشحاً يطلب أصوات المواطنين، ومن حقهم معرفة كيفية تدبيره للميزانية والجامعة والعقود والبعثات والمصاريف.
الانتخابات لا تبدأ يوم تعليق الملصقات، بل تبدأ من اللحظة التي يدخل فيها اسم المسؤول إلى سوق الترشيحات.
ومن يطمح إلى تمثيل المواطنين، أو يُقدَّم باعتباره واحداً من رجال المرحلة المقبلة، عليه أن يتوقع أسئلة أكثر حدة، لا صحافة أكثر صمتاً.
كان بإمكان الجامعة أن تنشر لائحة الوفد، وتحدد عدد أعضائه وصفة كل واحد منهم، وتكشف كلفة الإقامة والتنقل ومصادر التمويل، ثم تضع ما نشرته «المحرر» أمام امتحان الأرقام.
أما انتقال الملف إلى القضاء، فقد منح المقال انتشاراً أكبر، وحوّل سؤال المصاريف إلى سؤال أوسع حول علاقة لقجع بالنقد وحرية الصحافة.
لذلك لا يتعلق النقاش بمنع لقجع من الدفاع عن نفسه، بل بالطريقة التي يختارها مسؤول يجمع بين تدبير ملفات الميزانية ورئاسة جامعة كرة القدم، ويستعد، وفق المصادر الإعلامية، لدخول البرلمان من بوابة «الجرار».
فهل سيبدأ لقجع مساره الانتخابي بكشف الحسابات والرد على الأسئلة، أم بتوسيع دائرة المشتكين منهم؟
المحكمة وحدها ستفصل في موضوع الشكاية، لكن الرأي العام سيحتفظ بسؤال سياسي لا يحتاج إلى حكم قضائي: إذا كانت مقالات صحافية تقود إلى كل هذا التصعيد القضائي قبل الحملة، فكيف سيتعامل «مرشح المرحلة» مع صحافة تراقبه كل يوم بعد الانتخابات؟
