بقلم: الباز عبدالإله
ثلاثة وستون يوماً فقط تفصل بين مصادقة الحكومة على مشروع جديد لتغيير قواعد تسعير الأدوية، وبين توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026. مدة سياسية قصيرة تضع وعد «تخفيض أسعار الأدوية» أمام سؤال لا يقل أهمية عن حجم التخفيض نفسه: هل سيشعر المريض بالفرق قبل انتهاء الولاية، أم سيبقى الوعد ملفاً مفتوحاً فوق مكتب الحكومة المقبلة؟.
صادق مجلس الحكومة،اليوم الأربعاء 22 يوليوز 2026، على مشروع المرسوم رقم 2.25.631، قدمه أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، ويقضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.13.852 الصادر في 18 دجنبر 2013، والمتعلق بشروط وكيفيات تحديد أسعار بيع الأدوية المصنعة محلياً أو المستوردة للعموم.
وقدمت الحكومة للمشروع أهدافاً تبدو مغرية للمريض ولصناديق التأمين وللصناعة الدوائية في آن واحد: تخفيض أسعار الأدوية، وتخفيف العبء المالي المتبقي على المرضى المؤمنين، وتقليص النفقات الدوائية لنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، ودعم تنافسية الصناعة الوطنية، ثم ترسيخ ما سمته «السيادة الدوائية للمملكة».
لكن المريض لم يحصل على اسم دواء واحد سيشتريه بثمن أقل، ولا على نسبة التخفيض، ولا على تاريخ ظهور الأسعار الجديدة داخل الصيدليات.
حصل فقط على وعد حكومي واسع، صدر قبل أقل من عشرة أسابيع على الانتخابات التشريعية المقررة رسمياً يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026.
ومن المقرر أن تبدأ فترة إيداع الترشيحات يوم 31 غشت، بينما تنطلق الحملة الانتخابية رسمياً يوم 10 شتنبر وتنتهي منتصف ليلة 22 شتنبر.
أي إن الحكومة أعلنت مشروعها في الوقت الذي دخلت فيه البلاد عملياً المرحلة الأخيرة من الولاية والاستعداد المباشر للانتخابات.
هذا التوقيت لا يثبت وحده أن القرار مجرد وعد انتخابي، ولا يلغي حق الحكومة في اتخاذ قرارات إلى آخر يوم من ولايتها. لكنه يفرض عليها مستوى أكبر من الشفافية، لأن الناخب والمريض يحتاجان إلى التمييز بين إصلاح دخل فعلاً حيز التطبيق وبين إعلان سياسي قد لا تظهر نتائجه إلا بعد مغادرة الحكومة الحالية.
البلاغ لم يوضح ما الأدوية التي ستنخفض أسعارها، ولا إن كان الأمر يتعلق بعلاجات الأمراض المزمنة والسرطان والسكري والضغط وأمراض القلب، أم بأصناف أخرى.
كما لم يحدد إن كانت التخفيضات ستشمل الأدوية الموجودة حالياً في السوق، أم ستطبق قواعد التسعير الجديدة فقط على الطلبات المقبلة.
ولم يعلن البلاغ متوسط التخفيض المتوقع، ولا عدد الأدوية المعنية، ولا حجم التوفير المنتظر بالنسبة إلى المرضى، ولا الانعكاس المالي السنوي على نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
ولا يعني غياب هذه التفاصيل عن البلاغ بالضرورة أن مشروع المرسوم نفسه لا يتضمن مقتضيات تقنية إضافية، لكن النص الكامل للمشروع لم يُعرض ضمن التواصل الحكومي المنشور. لذلك، لا يمكن تقديم «تخفيض أسعار الأدوية» باعتباره تخفيضاً تحقق فعلاً، ما دام المواطن لم ير لائحة ولا سعراً جديداً ولا تاريخاً للتطبيق.
المصادقة على مشروع مرسوم ليست هي انخفاض السعر داخل الصيدلية.
فالنص يحتاج إلى استكمال مسطرة دخوله حيز التنفيذ ونشره في الجريدة الرسمية، ثم تنزيل قواعده وإصدار القرارات المحددة للأسعار الجديدة عند الاقتضاء.
وحتى إذا دخل المرسوم حيز التنفيذ قبل الانتخابات، فإن السؤال سيظل قائماً حول الوقت اللازم لمراجعة أسعار آلاف الأدوية، وتغيير الأثمان، وتطبيقها داخل شبكة التوزيع والصيدليات.
أما إذا لم تُنشر اللوائح والقرارات التطبيقية قبل 23 شتنبر، فستكون الحكومة قد أعلنت هدفاً اجتماعياً كبيراً في نهاية ولايتها، وتركت تفاصيل تحقيقه وتكلفته ومراقبة تنفيذه للسلطة التنفيذية التي ستنبثق عن الانتخابات.
قانونياً، لا يسقط المرسوم تلقائياً بمجرد انتهاء الولاية إذا دخل حيز التنفيذ وفق المساطر المعمول بها، ويمكن للحكومة المقبلة مواصلة تطبيقه أو تعديل مقتضياته وفق القانون.
لكن المسؤولية السياسية تبقى مختلفة، فمن يعلن الوعد اليوم يجب أن يوضح جدول تنفيذه، لا أن يترك للمواطن موعداً مفتوحاً قد يمتد إلى ما بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة.
وبدل تقديم أجوبة رقمية، جمع البلاغ الحكومي أهدافاً اجتماعية ومالية وصناعية داخل فقرة واحدة.
وعد المريض بتخفيف العبء، ووعد التأمين الإجباري بخفض النفقات، ووعد الصناعة الوطنية بدعم تنافسيتها، لكنه لم يوضح كيف ستتحقق هذه الأهداف المتعددة ولا من سيتحمل الكلفة.
هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية.
فسوق الدواء في المغرب بلغ رقم معاملات يناهز 25.9 مليار درهم سنة 2024، مسجلاً نمواً بنسبة 9.6 في المائة مقارنة بسنة 2023، وفق رأي مجلس المنافسة حول وضعية المنافسة بأسواق توزيع الأدوية بالمغرب.
ويتوفر أكثر من 7500 دواء على إذن بالعرض في السوق المغربية، بين أدوية مصنعة محلياً وأخرى مستوردة.
لذلك، يظل الحديث العام عن التخفيض غير كافٍ ما لم تحدد الحكومة الأصناف المعنية، وقاعدة احتساب السعر الجديد، ونسبة التخفيض، وآجال المراجعة.
كما بلغت مصاريف الأدوية لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي نحو 11.86 مليار درهم، بينما تمثل الأدوية قرابة ثلث نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
كل تخفيض حقيقي يمكن أن يخفف ما يؤديه المرضى وأن يوفر مبالغ مهمة لصناديق التأمين، لكن كل إعلان بلا أرقام يحرم الرأي العام من قياس الأثر ومحاسبة الحكومة على النتيجة.
عندما تقول الحكومة إن المشروع سيضمن الاستدامة المالية للتأمين الإجباري، فمن حق المؤمنين معرفة حجم التوفير المتوقع سنوياً. وعندما تتحدث عن تخفيف العبء عن المرضى، فمن حقهم معرفة المبلغ الذي سيبقى في جيوبهم.
وعندما تعد بدعم الصناعة الوطنية، فمن حق الرأي العام معرفة الالتزامات المطلوبة من الشركات مقابل ذلك.
ويثير تركيز البلاغ على تخفيف «العبء المادي المتبقي عن المرضى المؤمنين» سؤالاً حول الأشخاص الذين يؤدون ثمن الدواء كاملاً، إما لأنهم لا يستفيدون فعلياً من التعويض، أو لأن الدواء غير قابل للاسترداد، أو لأن نسبة التعويض لا تغطي سوى جزء من سعره.
بالنسبة إلى هؤلاء، لا يكفي الحديث عن تقليص نفقات الصناديق، بل يحتاجون إلى تخفيض حقيقي في سعر البيع للعموم.
ولن يصبح هذا التخفيض ملموساً إلا عندما تظهر لائحة الأدوية وأسعارها القديمة والجديدة وتاريخ تطبيقها.
ويأتي المشروع بعد أشهر من كشف مجلس المنافسة عن «اختلالات بنيوية» داخل أسواق توزيع الأدوية، إثر إجراء 36 جلسة استماع وتوجيه استبيانات و218 طلباً للحصول على معطيات من المؤسسات والفاعلين المعنيين.
وأوصى المجلس بمراجعة عميقة لنظام تحديد الأسعار والتعويض، وتشجيع استعمال الأدوية الجنيسة والمثيلات الحيوية، وإعادة النظر في النموذج الاقتصادي لمختلف حلقات التوزيع.
وتظهر معطياته أن الصناعة المحلية تغطي نحو 75 في المائة من حاجيات السوق من حيث الحجم، لكنها لا تغطي سوى 52 في المائة من حيث القيمة. كما بلغت حصة الأدوية الجنيسة خلال سنة 2024 نحو 56.1 في المائة من حجم السوق و50.4 في المائة من قيمتها.
تكشف هذه الأرقام أن تخفيض فاتورة العلاج لا يرتبط فقط بخفض ثمن كل علبة، بل أيضاً بتوفير البدائل الجنيسة الأقل كلفة، وتشجيع وصفها وصرفها، وتمكين المريض من مقارنة أسعارها بالأدوية الأصلية.
كما أن «السيادة الدوائية» التي تحدث عنها البلاغ ما تزال تواجه أرقام التجارة الخارجية.
فقد ارتفعت واردات المغرب من الأدوية من حوالي 4.9 مليارات درهم سنة 2014 إلى أكثر من 10.6 مليارات سنة 2024، مقابل صادرات في حدود 1.6 مليار درهم، ما أدى إلى عجز تجاري يقارب تسعة مليارات درهم.
ولا تتحقق السيادة الدوائية بمجرد إدراج العبارة داخل بلاغ حكومي، بل تحتاج إلى تصنيع المواد الأساسية محلياً، وتطوير البحث والابتكار، وتكوين مخزون استراتيجي، وتشجيع الأدوية الجنيسة والمثيلات الحيوية، وضمان عدم اختفاء الأدوية الرخيصة من السوق.
وتفرض معادلة خفض الأسعار قدراً كبيراً من الدقة، فإذا جرى التخفيض دون مراجعة متوازنة للنموذج الاقتصادي للمصنعين والموزعين والصيدليات، فقد تصبح بعض الأدوية قليلة الثمن غير جذابة اقتصادياً ويقل عرضها.
وإذا تمت حماية جميع الهوامش دون ضبطها، فقد لا يحصل المريض إلا على تخفيض محدود.
لهذا، تحتاج الحكومة إلى نشر دراسة أثر توضح من سيتحمل كلفة التخفيض، وما إذا كانت أسعار خروج الأدوية من المصانع ستنخفض، وهوامش التوزيع بالجملة والتقسيط ستُراجع، والضرائب ستتغير، والأدوية المبتكرة والباهظة ستعامل بالطريقة نفسها التي تعامل بها الأدوية الجنيسة منخفضة السعر.
البلاغ الحكومي لم يقدم أجوبة عن هذه الأسئلة.
كما لم تعلن الحكومة إحداث منصة عمومية يستطيع المواطن من خلالها إدخال اسم دوائه، ومقارنة السعر القديم بالجديد، ومعرفة البدائل الجنيسة ونسبة التعويض وتاريخ تطبيق التخفيض.
ومن دون هذه الشفافية، قد تعلن الحكومة لاحقاً خفض أسعار عشرات أو مئات الأدوية، لكن المريض لن يعرف بسهولة إن كان دواؤه بينها، ولا قيمة ما وفره فعلياً.
المشكلة ليست في اتخاذ الحكومة قراراً خلال الأسابيع الأخيرة من ولايتها، بل في إطلاق وعد كبير دون نشر جدول يثبت أن تنفيذه بدأ فعلاً.
فكلما اقترب موعد الانتخابات، أصبحت الحدود أدق بين القرار العمومي القابل للقياس والوعد السياسي الموجه إلى الناخبين.
إذا كانت الحكومة قادرة على نشر الأسعار الجديدة قبل الاقتراع، فعليها أن تعلن الأسماء والنسب والتواريخ الآن.
وإذا كان التطبيق سيحتاج إلى أشهر وسيمتد إلى الولاية المقبلة، فعليها أن تقول ذلك بوضوح، حتى لا يتحول تخفيض الدواء إلى وعد انتخابي تستفيد منه الحكومة الحالية سياسياً، وتتحمل الحكومة المقبلة مسؤولية تنفيذه مالياً وإدارياً.
لا يجوز إعلان نجاح إصلاح لم ير المريض أثره بعد، كما لا يجوز الحكم عليه بالفشل قبل نشر تفاصيله.
لكن من حق المواطن أن يسأل لماذا انتظرت الحكومة حتى آخر 63 يوماً قبل الانتخابات لتعلن تغييراً كبيراً في نظام تسعير قائم منذ سنة 2013.
المطلوب هو نشر مشروع المرسوم كاملاً، وإعلان لائحة تتضمن اسم كل دواء، وسعره السابق، وسعره الجديد، ونسبة التخفيض، وتاريخ دخوله حيز التنفيذ، إلى جانب حجم التوفير المتوقع للمريض ولصناديق التأمين.
إلى أن يحدث ذلك، لا يمكن القول إن أسعار الأدوية انخفضت، بل إن حكومة تقترب ولايتها من نهايتها صادقت على مشروع تقول إنه يهدف إلى تخفيضها.
وسيظل السؤال معلقاً حتى ظهور الأسعار الجديدة، بشأن ما إذا كان المغاربة سيشترون الدواء بثمن أقل قبل الانتخابات، أم سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع حاملين وعداً جديداً بلا لائحة ولا نسبة ولا موعد.
