قبل نحو شهرين من الانتخابات التشريعية، انتقل رئيس ديوان وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، إلى واحد من أبرز مناصب المسؤولية داخل القطاع، بعدما صادق مجلس الحكومة، الأربعاء 22 يوليوز 2026، على تعيين مصطفى اليعقوبي مديراً عاماً لتنظيم الحياة المدرسية.
لا يطرح هذا التعيين سؤال الكفاءة وحده، بل يفتح ملفاً سياسياً وإدارياً أوسع: هل تستعمل الحكومة ما تبقى من عمر ولايتها لتأمين مواقع دائمة لمسؤولين اشتغلوا داخل دواوين وزرائها أو ارتبطت أسماؤهم بالحزب المتصدر للأغلبية؟
أكد البلاغ المتعلق باجتماع مجلس الحكومة تعيين مصطفى اليعقوبي مديراً عاماً لتنظيم الحياة المدرسية، إلى جانب رشيد بشارة مديراً للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة كلميم–واد نون. غير أن البلاغ اكتفى بإعلان الاسمين والمنصبين، دون عرض المسارين المهنيين للمعينين أو تفاصيل مسطرة الانتقاء والمعايير التي رجحت ملفيهما.
بحسب المعطيات التي نشرها موقع «نيشان»، كان اليعقوبي يشغل منصب رئيس ديوان وزير التربية الوطنية، بعدما قدم من مجلس جهة سوس–ماسة، قبل انتقاله، خلال مدة قصيرة، إلى منصب المدير العام لتنظيم الحياة المدرسية.
ولا يتعلق الأمر بمنصب تشريفي داخل الإدارة، بل بموقع يوجد في قلب تدبير الحياة المدرسية والبرامج والأنشطة المرتبطة بالمؤسسات التعليمية، ويمتد أثر قراراته إلى ملايين التلميذات والتلاميذ.
وصف «نيشان» اليعقوبي بأنه مقرب من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ونقل عن مصادره أن التعيين تم بضغط من الأخير، رغم الجدل الذي أثاره داخل أوساط تعليمية.
غير أن هذه المعطيات تظل منسوبة إلى مصادر غير مسماة، ولم يُنشر، إلى حدود إعداد هذا المقال، رد من رئاسة الحكومة أو وزارة التربية الوطنية أو مصطفى اليعقوبي بشأنها.
ولا يتوقف النقاش عند تعيين اليعقوبي.
فقد سبق لمجلس الحكومة أن صادق، يوم 11 يونيو 2026، على تعيين أيوب عمراني مديراً للمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة الرباط–سلا–القنيطرة، إلى جانب تعيين نبيل عبودي مفتشاً عاماً لوزارة التربية الوطنية خلفاً للحسن قوضاض.
أثار تعيين عمراني بدوره جدلاً بسبب ما نشر عن ارتباطه بالشبيبة التجمعية، وبالنظر إلى حساسية المؤسسة التي أصبح يديرها، باعتبارها مسؤولة عن تكوين أطر التدريس والإدارة التربوية.
وذهب «نيشان» إلى القول إن حزب التجمع الوطني للأحرار دافع عن ملف عمراني وضغط لإبعاد مرشحين آخرين، وإن اختياره كان متوقعاً قبل الإعلان الرسمي عن نتيجة المباراة.
لكنها اتهامات تحتاج، حتى تتحول من معطيات منسوبة إلى مصادر إلى وقائع مثبتة، إلى وثائق واضحة تتعلق بمسطرة الترشح والانتقاء.
فالجواب الحاسم يوجد داخل إعلان فتح باب الترشيح، ولائحة المرشحين، ومحاضر لجنة الانتقاء، والنقط المحصل عليها، والسير المهنية للمتنافسين، والمعايير التي اعتمدت لترتيبهم.
وهي معطيات لم تنشرها الوزارة للرأي العام، كما لم يعرضها الموقع ضمن مادته الصحفية.
هنا تبرز المفارقة: الحكومة تؤكد أن التعيينات في المناصب العليا تتم طبقاً للفصل 92 من الدستور وبعد المرور عبر المساطر القانونية، بينما يتهمها خصومها بتحويل هذه المناصب إلى امتداد للولاء الحزبي والسياسي.
وبين الروايتين، تبقى الشفافية الوسيلة الوحيدة للتمييز بين التعيين القائم على الاستحقاق والتعيين الذي قد يكون مفصلاً على مقاس اسم محدد.
عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سبق أن اتهم حكومة أخنوش بتحويل التعيينات في المناصب العليا إلى «وزيعة» حزبية.
ورغم أن هذا الاتهام يعبر عن موقف سياسي معارض ولا يشكل دليلاً قانونياً على وقوع مخالفة، فإن تتابع تعيين أسماء مرتبطة بدواوين الوزراء أو بتنظيمات حزبية، خصوصاً قبيل الانتخابات، يمنحه مادة جديدة لمساءلة الحكومة.
لا يشكل الانتماء الحزبي أو العمل داخل ديوان وزير، في حد ذاتهما، مانعاً قانونياً من تولي منصب مسؤولية.
كما أن الانتقال من مؤسسة ترابية إلى قطاع التعليم لا يثبت وحده غياب الكفاءة.
غير أن المسؤولية تقع على الوزارة في إظهار أن مسطرة الانتقاء كانت تنافسية، وأن شروطها لم تُصغ لإقصاء مرشحين بعينهم، وأن الفائز قدم ملفاً أقوى من بقية الملفات، بعيداً عن القرب من الوزير أو رئيس الحكومة أو الحزب.
تزداد حساسية القضية لأن المناصب العليا لا تنتهي بانتهاء عمر الحكومة التي تقترح أصحابها.
فالوزير قد يغادر مكتبه بعد الانتخابات، بينما يظل المدير العام أو مدير مركز التكوين داخل الإدارة، يدبر البرامج والميزانيات والموارد البشرية لسنوات.
لذلك، لا تبدو التعيينات التي تجري في الأسابيع الأخيرة من الولاية مجرد إجراءات إدارية عادية، بل قرارات تتيح للحكومة الحالية ترك بصمتها داخل مفاصل الدولة، حتى بعد تسليم السلطة إلى الحكومة التي ستفرزها صناديق الاقتراع.
لا يحتاج الرأي العام إلى بلاغ جديد يكرر أسماء المعينين، بل إلى نشر السيرة المهنية لمصطفى اليعقوبي، ومدة اشتغاله رئيساً لديوان الوزير، وخبرته المرتبطة بالتعليم، وعدد المرشحين الذين نافسوه، والمعايير التي حسمت عملية الانتقاء.
كما يحتاج إلى المعطيات نفسها بشأن تعيين أيوب عمراني على رأس المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين.
إلى أن تنشر الوزارة هذه الوثائق أو تقدم توضيحات مفصلة، يظل الثابت أن رئيس ديوان محمد سعد برادة انتقل إلى منصب مدير عام قبل الانتخابات، وأن شخصاً قدّمه «نيشان» باعتباره عضواً في الشبيبة التجمعية عُيّن قبل ذلك على رأس مؤسسة استراتيجية لتكوين أطر التعليم.
أما الحديث عن ضغط مباشر من أخنوش أو إقصاء متعمد للمرشحين، فيبقى اتهاماً صحفياً وسياسياً يحتاج إلى وثائق أو تحقيق رسمي لإثباته.
قد تكون الحكومة احترمت الشكل القانوني للتعيينات، لكن السؤال الذي لا يجيب عنه بلاغ المجلس الحكومي هو: هل فاز هؤلاء لأنهم الأفضل بين المرشحين، أم لأنهم كانوا الأقرب إلى دوائر القرار؟
الجواب لا يوجد في لون الحزب ولا في خطاب المعارضة، بل داخل محاضر الانتقاء التي يفترض إخراجها من الأدراج، قبل أن تتحول وزارة التعليم إلى ساحة جديدة للصراع حول توزيع النفوذ قبيل صناديق الاقتراع.
