أثارت تدوينة للكاتب والباحث إدريس الكنبوري نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تعليقه على تصريح منسوب إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، تحدث فيه عن ادخار المغاربة لنحو 31 في المائة، في صيغة أثارت تساؤلات حول المقصود بهذا الرقم ومصدره.
واعتبر الكنبوري أن هذا التصريح ليس مجرد رقم عابر في خطاب حكومي، بل معطى خطير يستدعي، في نظره، توضيحاً دقيقاً من رئيس الحكومة حول مصدره ومنهجيته، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمداخيل المواطنين وقدرتهم على الادخار في ظل وضع اجتماعي مطبوع بارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
وتساءل الكنبوري، في تدوينته، عن الأساس الذي اعتمدت عليه الحكومة لتقديم هذا الرقم، قائلاً إن السؤال الحقيقي هو: من أين له معرفة ذلك؟ قبل أن يطرح سؤالاً أكثر حساسية حول ما إذا كانت الحكومة تتوفر على معطيات تفصيلية عن حسابات المواطنين البنكية، أو أن الأمر يتعلق بخلط بين مؤشر اقتصادي عام وواقع الأسر المغربية.
هذا السؤال يكتسب أهميته من كون الادخار، في المعنى الاجتماعي المباشر، لا يقاس فقط بالأرقام الكبرى ولا بالمؤشرات الماكرو-اقتصادية، بل بما يبقى فعلاً في جيب المواطن بعد أداء مصاريف السكن، والغذاء، والنقل، والصحة، والتعليم، والفواتير اليومية.
لذلك يرى منتقدو هذا النوع من الخطاب أن تحويل مؤشر عام إلى حكم شامل على قدرة المغاربة على الادخار قد يعطي صورة غير دقيقة عن واقع اجتماعي أكثر تعقيداً.
الكنبوري ذهب أبعد من مجرد التشكيك في الرقم، إذ ربط التصريح، في قراءته السياسية، بطريقة تعامل الحكومة مع المواطن منذ سنة 2021، معتبراً أن الحكومة، التي وصفها بـ”حكومة الرأسماليين وأصحاب الهمزة”، تزامنت ولايتها مع موجة غلاء أثقلت كاهل المغاربة، وكأنها تنطلق من فكرة أن المواطنين يخفون أموالاً فائضة ينبغي دفعهم إلى إخراجها تحت ضغط الأسعار.
وبحسب مضمون التدوينة، فإن الخطورة لا تكمن فقط في الرقم، بل في الخلفية السياسية والاجتماعية التي يمكن أن ينتجها مثل هذا التصور.
فإذا كانت الحكومة تعتبر أن الأسر المغربية قادرة على ادخار جزء مهم من دخلها، فإن ذلك قد يتحول، في نظر الكنبوري، إلى مبرر غير معلن لمزيد من الضغط على جيوب المواطنين، سواء عبر الأسعار أو القروض أو السياسات الاقتصادية التي تخدم الاستهلاك الممول بالدين.
وقال الكنبوري إن الحكومة تتعامل مع المواطنين، وفق هذا المنطق، كما لو أنهم يخبئون أموالهم، وكأن المطلوب هو دفعهم إلى الاقتراض وتحريك عجلة اقتصاد يستفيد منه الرأسمال أكثر مما يستفيد منه المواطن البسيط.
وهي قراءة حادة تضع النقاش في قلب العلاقة بين السلطة والمال، وبين الحكومة ذات الخلفية المقاولاتية والمواطن الذي يعيش آثار الغلاء يومياً.
كما تفتح هذه التدوينة سؤالاً أوسع حول حدود استعمال الأرقام في الخطاب السياسي.
فالأرقام ليست محايدة دائماً عندما تُقدَّم خارج سياقها، وقد تتحول من أدوات للفهم إلى أدوات للتبرير، خاصة عندما يتم تقديم مؤشرات عامة بطريقة توحي بأن الأسر المغربية تعيش وضعاً مالياً مريحاً، بينما تؤكد مؤشرات اجتماعية عديدة أن قطاعات واسعة من المواطنين تجد صعوبة في تغطية مصاريفها الأساسية.
كما أن الحديث عن ادخار المغاربة نسبة مرتفعة من رواتبهم يطرح إشكالاً منهجياً واضحاً: هل يتعلق الأمر برواتب الأجراء؟ أم بدخل الأسر؟ أم بالادخار الوطني؟ أم بودائع بنكية؟ فالفرق كبير بين أن تقول إن الاقتصاد الوطني يسجل معدل ادخار معيناً، وبين أن تقول إن المواطن المغربي يدخر ثلث راتبه تقريباً.
ومن هنا تأتي قوة السؤال الذي طرحه الكنبوري: من أين جاء هذا الرقم؟ لأن الجواب لا يهم فقط الخبراء الاقتصاديين، بل يهم المواطنين الذين يسمعون هذا الكلام وهم يعيشون يومياً تحت ضغط الأسعار، وأمامهم فواتير تتضخم ومداخيل لا تتحرك بالسرعة نفسها.
وختم الكنبوري تدوينته بخلاصة سياسية لافتة، اعتبر فيها أن “أخطر الحكومات هي التي تسند إلى أصحاب المشاريع والرأسماليين، حيث يتحول المواطن إلى زبون، والحاكم إلى تاجر، والوطن إلى سوق”.
بهذه العبارة، نقل الكنبوري النقاش من رقم الادخار إلى سؤال أعمق: هل تدير الحكومة السياسة الاجتماعية بمنطق الدولة، أم بمنطق المقاولة؟ وهل ترى في المواطن صاحب حق، أم مستهلكاً داخل سوق واسع تحكمه الأسعار والقروض والمصالح الاقتصادية؟
إن الجدل الذي أثارته التدوينة لا يتعلق فقط بتصريح واحد، بل بطريقة إنتاج الخطاب الحكومي في مرحلة شديدة الحساسية اجتماعياً.
فحين يتحدث رئيس الحكومة عن جيوب المغاربة، يصبح مطلوباً منه أن يقدم رقماً دقيقاً، ومصدراً واضحاً، ومنهجية لا تخلط بين المؤشر الاقتصادي العام والواقع اليومي للأسر.
أما بدون ذلك، فإن الرقم، بدل أن يطمئن الرأي العام، قد يتحول إلى دليل جديد على اتساع المسافة بين لغة الحكومة ومعيش المواطنين.
