بقلم: الباز عبدالإله
كلما اقترب موعد إعداد قانون مالية جديد، تخرج رئاسة الحكومة بالتعليمات نفسها تقريبا: رشّدوا استهلاك الماء والكهرباء، قلّصوا التنقلات والإقامة بالفنادق، خففوا نفقات الاستقبالات والندوات، وحدّوا من شراء السيارات وكرائها وصيانتها.
الدورية الجديدة المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا تخرج عن هذه القاعدة، إذ دعا رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وفق التفاصيل التي نشرتها «تيل كيل»، أعضاء حكومته ومسؤولي المؤسسات العمومية إلى ضبط مقترحات إحداث المناصب المالية وتقليص نفقات التسيير المرتبطة بالسيارات والسفر والإقامة والماء والكهرباء.
غير أن السؤال الذي تتجنبه هذه التعليمات هو: ماذا تحقق من الدورية السابقة، ومن احترمها، ومن تعامل معها باعتبارها مجرد توصيات لا يترتب عن مخالفتها أي حساب؟
فالمذكرة التوجيهية الرسمية المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2025، الصادرة خلال غشت 2024، حملت التعليمات نفسها تقريبا، إذ دعت إلى ترشيد استعمال الماء وتقليص استهلاك الكهرباء، والحد إلى أقصى درجة من نفقات النقل والتنقل داخل المغرب وخارجه، ومصاريف الاستقبال والفندقة وتنظيم الحفلات والمؤتمرات والندوات والدراسات.
ولم تكتف الوثيقة بذلك، بل نصت صراحة على التقليص إلى أقصى حد من نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة المقرات الإدارية، وهي العبارة التي تعود اليوم إلى واجهة إعداد مالية 2027، بعد مرور سنتين من دون أن تنشر الحكومة حصيلة مفصلة تبين ما إذا كانت التعليمات السابقة قد تحولت فعلا إلى وفورات داخل الوزارات.
لكن أرقام تنفيذ ميزانية 2025 لا تظهر انخفاضا إجماليا في نفقات التسيير، بل تكشف الاتجاه المعاكس.
فبحسب التقرير السنوي الرسمي لتنفيذ قانون المالية، ارتفعت نفقات التسيير من 294.622 مليار درهم عند نهاية 2024 إلى 328.395 مليار درهم عند نهاية 2025، أي بزيادة بلغت 33.773 مليار درهم، تعادل نحو 11.5 في المائة خلال سنة واحدة.
وارتفعت نفقات المعدات والنفقات المختلفة من 70.234 إلى 80.087 مليار درهم، بزيادة قاربت 9.9 مليارات درهم، بينما انتقلت التكاليف المشتركة من 43.477 إلى 50.327 مليار درهم.
كما تجاوزت نفقات التسيير المنفذة الاعتمادات الأصلية المرصودة في قانون مالية 2025 بنحو 7.4 مليارات درهم، بعدما بلغت الاعتمادات 320.971 مليار درهم، مقابل نفقات منفذة في حدود 328.395 مليار درهم.
لا يعني ذلك أن الزيادة البالغة نحو 34 مليار درهم صُرفت في السيارات والفنادق والسفريات، لأن نفقات التسيير تضم أجور الموظفين والتكاليف المشتركة والمبالغ المرتبطة باسترجاعات وتخفيضات الضرائب، إلى جانب مصاريف ضرورية لاستمرار المرافق العمومية.
كما ارتبط جزء مهم من الارتفاع بزيادة نفقات الموظفين وكلفة إجراءات الحوار الاجتماعي، ولذلك سيكون من غير الدقيق اختزال الزيادة الإجمالية في امتيازات المسؤولين.
لكن هذا التوضيح لا يعفي الحكومة من تقديم الحساب الذي يغيب عن دورياتها: كم وفرت الوزارات من فواتير الماء والكهرباء؟ كم تراجعت نفقات السفر والإقامة؟ كم سيارة أُلغيت عملية شرائها؟ وكم مقر إداري تقرر عدم بنائه أو تجهيزه؟ وما القطاعات التي احترمت تعليمات رئيس الحكومة، وما القطاعات التي تجاهلتها؟
المشكلة ليست في أن تنفق الدولة على الموظفين والخدمات والمرافق، بل في أن تعلن الحكومة التقشف داخل بنود محددة، ثم لا تنشر أي حصيلة مستقلة تبين ما إذا كانت تلك البنود قد انخفضت فعلا.
والأكثر إحراجا أن أرقام قانون المالية لسنة 2026 لم تكرس بدورها أي تقليص إجمالي في نفقات التسيير.
فقد انتقلت الاعتمادات المخصصة لهذه النفقات من 320.971 مليار درهم في قانون مالية 2025 إلى 347.491 مليار درهم خلال 2026، بزيادة تناهز 26.5 مليار درهم، أي حوالي 8.3 في المائة.
كما ارتفعت الاعتمادات المخصصة للمعدات والنفقات المختلفة من 80.220 إلى 93.674 مليار درهم، أي بزيادة تقارب 13.5 مليار درهم ونسبة تناهز 16.8 في المائة.
ولا تثبت هذه الزيادة وحدها ارتفاع نفقات السيارات والفنادق، لأن هذا الباب يشمل مصاريف متعددة، لكنها تؤكد أن الخطاب العام حول تقليص مصاريف الإدارة لم ينعكس في صورة انخفاض إجمالي داخل الاعتمادات المخصصة لهذا الصنف من النفقات.
ولم يأت التحذير من تضخم الإنفاق من المعارضة وحدها، فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات ارتفاع نفقات الدولة بنحو 224 مليار درهم بين سنتي 2015 و2022، أي بنسبة 60.3 في المائة، داعيا إلى التحكم في الارتفاع المستمر لهذه النفقات وما يترتب عنه من تضييق لهامش التحرك الميزانياتي.
ملف السيارات الإدارية يقدم بدوره نموذجا واضحا عن المسافة بين لغة الدوريات وما تنشره بعض القطاعات الحكومية من طلبات عروض.
فالوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة نشرت طلب العروض رقم 20/2024/MTNRA لاقتناء سيارات موزعة على أربع حصص.
ولم تستعمل الوزارة في وصف الحصة الأولى تعبيرا عاما من قبيل «سيارة مصلحة» أو «وسيلة نقل إدارية»، بل أطلقت عليها صراحة اسم «سيارة سيدان فاخرة».
وتعلقت الحصص الأخرى بسيارة سيدان من الفئة الأولى، وسيارة سيدان من الفئة الثانية، وسيارة سيدان هجينة، وحدد موعد فتح الأظرفة في 4 يوليوز 2024، خلال الفترة التي كانت فيها غيثة مزور تشرف على القطاع الحكومي المكلف بإصلاح الإدارة.
المفارقة أن الصفقة صدرت عن الوزارة التي يفترض أن تكون نموذجا في تحديث الإدارة وعقلنة مواردها، قبل أسابيع من صدور المذكرة التوجيهية الخاصة بمالية 2025، التي دعت القطاعات الحكومية إلى التقليص إلى أقصى حد من اقتناء السيارات.
ولا تثبت وثيقة طلب العروض أن غيثة مزور طلبت السيارة لاستعمالها الشخصي، ولا يجوز تقديمها بهذه الصيغة، لكنها تثبت أن القطاع الذي كانت تشرف عليه برمج رسميا اقتناء سيارة وصفها بنفسه بأنها «فاخرة».
وخلال سنة 2025، نشر قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني طلبات عروض لاقتناء سيارات سياحية لفائدة المديريات الجهوية، وأخرى لفائدة المديريات الإقليمية، إضافة إلى طلب عروض مستقل لاقتناء سيارة سياحية لفائدة الإدارة المركزية.
وجود هذه الصفقات لا يثبت وحده التبذير، فقد تكون بعض المصالح في حاجة فعلية إلى وسائل نقل لتأمين مهامها، لكنه يطرح أسئلة لم تقدم الدوريات جوابا عنها: من يحدد أن الاقتناء ضروري؟ وهل جرى التأكد أولا من عدم وجود سيارات قابلة لإعادة الانتشار بين المصالح؟ وهل الاقتناء أقل كلفة من الكراء؟ وما المعايير التي تميز السيارة الضرورية للمرفق عن السيارة المخصصة لراحة المسؤول؟
الدورية الجديدة تتحدث مجددا عن تقليص السيارات والسفر والفنادق والماء والكهرباء، لكن المعطيات المنشورة عنها لا تكشف عن سقوف رقمية ملزمة لكل وزارة، ولا عن لائحة بالقطاعات التي لم تنفذ تعليمات 2025، ولا عن جزاءات في حق المسؤول الذي يبرمج نفقات لا تنسجم مع توجهات رئيس الحكومة.
كما لا تقدم الحكومة للرأي العام جدولا موحدا يوضح عدد سيارات كل وزارة، وكلفة اقتنائها وكرائها وتأمينها وصيانتها ومحروقاتها، وعدد السفريات الخارجية ومصاريف الإقامة والاستقبالات، ونسبة ارتفاع هذه البنود أو انخفاضها من سنة إلى أخرى.
وبدون هذه المعطيات، تتحول الدورية من أداة لضبط الإنفاق إلى وثيقة لحماية الصورة السياسية للحكومة: رئيس الحكومة يصدر التعليمات، والوزراء يرسلون مقترحاتهم، ثم ترتفع المجاميع في نهاية السنة، ولا يعرف المواطن من التزم ومن تجاوز ومن سيحاسب.
ترشيد المال العام لا يبدأ بمطالبة الموظفين بإطفاء المصابيح وإغلاق صنابير الماء، بينما تظل صفقات السيارات والسفريات والمقرات موزعة بين قطاعات لا تنشر حصيلة تنفيذ تعليمات رئيس الحكومة.
ولا يمكن مطالبة المغاربة بتحمل ضغط الأسعار والضرائب وتراجع قدرتهم الشرائية باسم المحافظة على التوازنات المالية، بينما تظل الحكومة عاجزة عن تقديم رقم واضح يبين مقدار ما وفرته فعليا من نفقات الإدارة وامتيازات مسؤوليها.
المغاربة لا يحتاجون إلى دورية جديدة تخبر الوزراء بأن السيارة الفاخرة مكلفة وأن الفندق يستهلك الميزانية، بل يحتاجون إلى حساب علني يجيب عن أسئلة بسيطة: من اشترى؟ ماذا اشترى؟ بكم؟ ولأي غرض؟ وهل كانت هناك وسيلة أقل كلفة؟
أما تكرار التعليمات نفسها بعد ارتفاع نفقات التسيير بنحو 34 مليار درهم، فلا يقدم وحده دليلا على تشدد الحكومة، بل يكشف أن التقشف ظل قويا في الدوريات، وضعيفا عندما وصل إلى أبواب الوزارات.
