اعتبر الكاتب والباحث إدريس الكنبوري أن سفر رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى إسبانيا، بالتزامن مع تداعيات النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة، لم يكن مجرد عطلة خاصة أسيء اختيار توقيتها، بل حمل، بحسبه، رسائل سياسية خطيرة تمس صورة الحكومة وجدوى الانتخابات وثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
وقال الكنبوري، في كلمة بثها عبر قناته على موقع «يوتيوب»، إن المغاربة كانوا ينتظرون خروج رئيس الحكومة لمخاطبتهم وشرح ما وقع خلال التدفق البشري غير المسبوق، الذي شارك فيه شباب ومراهقون ونساء ورجال وأسر كانت تبحث عن العبور إلى الضفة الأخرى، غير أن أخنوش اختار التوجه إلى إسبانيا على متن طائرة خاصة، مرفوقاً بأفراد من عائلته وأشخاص من محيطه، لقضاء عطلته بجزيرة مايوركا.
وسجل الكنبوري مفارقة وصفها بالمؤلمة، تتمثل في أن رئيس الحكومة توجه للاستجمام إلى الدولة نفسها التي خاطر آلاف المغاربة بحياتهم للوصول إليها بحثاً عن العمل والإقامة والمستقبل.
وقال في هذا السياق إن الفرق بين الرحلتين كان صارخاً، إذ سافر أخنوش إلى إسبانيا للاستراحة، بينما حاول الشباب والمراهقون والأسر الوصول إليها هرباً من البطالة والفقر وانسداد الأفق وضياع الأمل في المستقبل.
وأضاف أن البلاد لم تكن تعيش ظرفاً عادياً يسمح لرئيس السلطة التنفيذية بالتصرف كما لو أن المؤسسات دخلت في عطلة، مشيراً إلى أن أحداث سبتة المحتلة استنفرت الدولة وأثارت توتراً اجتماعياً وسياسياً وإعلامياً واسعاً، بينما ظلت الحكومة، بحسب تعبيره، غائبة عن المشهد.
وانتقد الكنبوري ما وصفه بـ«الغياب الكامل للتواصل الحكومي»، قائلاً إن رئيس الحكومة التزم الصمت وظهر كأنه غير موجود، فيما لم تصدر وزارة الداخلية توضيحاتها الرسمية إلا بعد مرور أيام على بداية الأحداث، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام الشائعات والتأويلات والروايات القادمة من الصحافة الإسبانية.
وبحسب الكنبوري، فإن صمت الحكومة لم يكن مجرد خطأ في التواصل، بل ساهم في جعل الرواية الإسبانية هي الأكثر حضوراً داخل النقاش العام، سواء تعلق الأمر بأعداد المشاركين أو بطريقة تدبير الأزمة أو بالخلفيات التي دفعت آلاف المواطنين إلى محاولة العبور الجماعي.
وتوقف المتحدث عند عودة أخنوش السريعة إلى المغرب بعد وصوله إلى مايوركا، معتبراً أن قطع العطلة، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسبانية، جاء عقب تعليمات ملكية بإرجاعه إلى البلاد، في ظل ظرف لا يسمح لرئيس الحكومة بالغياب.
وأوضح أن أخنوش ظل «الحاضر الغائب» خلال الأزمة، إذ لم يخاطب المواطنين منذ بداية الأحداث، ولم يقدم تفسيراً لموقف الحكومة، بل سافر في اللحظة نفسها التي كان فيها عدد من المشاركين في محاولات العبور يعودون إلى المغرب بعد فشلهم في الوصول إلى سبتة المحتلة.
واعتبر الكنبوري أن هذا السلوك أوحى بأن رئيس الحكومة غير معني بردود الفعل الشعبية ولا بما نشرته وسائل الإعلام الدولية ولا بالإشكالات التي أثارتها الأزمة داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وبنبرة ساخرة، قال إن أخنوش تصرف وكأنه يحتاج إلى الراحة بعد خمس سنوات من «العمل الدؤوب على تخفيض الأسعار والقضاء على البطالة وجمع الليل بالنهار لحل مشاكل المواطنين»، في إشارة إلى الانتقادات الاجتماعية التي تواجه حصيلة حكومته، خصوصاً في ملفات الغلاء والتشغيل والقدرة الشرائية.
غير أن الكنبوري لم يحصر دلالة السفر في جانبه الأخلاقي أو الإنساني، بل اعتبره رسالة سياسية سلبية صدرت عن رئيس حكومة قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية التي يوليها حزبه أهمية كبيرة.
وقال إن مغادرة رئيس الحكومة للبلاد في ذروة أزمة مرتبطة بالهجرة والحدود والعلاقات مع إسبانيا تعني ضمنياً أنه لا يعتبر نفسه المسؤول المباشر عن تدبير هذا الملف، ولا الطرف الذي تتحدث إليه مدريد أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي عندما تقع أزمة بهذا الحجم.
وأضاف أن أخطر ما حمله هذا السلوك هو الإيحاء بأن المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات ليست صاحبة القرار في الملفات الكبرى، وأن الحكومة والبرلمان لا يملكان السلطة الفعلية التي يفترض أن تمنحها لهما صناديق الاقتراع.
وأوضح الكنبوري أن هذه الرسالة تضر بالدولة نفسها، لأنها تعزز العزوف الانتخابي وتدفع المواطنين إلى التساؤل عن جدوى المشاركة في انتخابات تفرز حكومة لا يظهر رئيسها عند وقوع الأزمات ولا يتصرف باعتباره المسؤول السياسي الأول عن تدبير الشأن العام.
وتابع أن أخنوش، من خلال سفره وصمته، بدا كأنه يقول للمغاربة إن رئيس الحكومة لا يملك التعامل مع جميع الملفات، وإن جهات أخرى هي التي تتولى تدبير الأمور الأساسية، وهو ما اعتبره تقويضاً لصورة المؤسسات المنتخبة وتشجيعاً غير مباشر على فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها.
وشدد الكنبوري على أن الأعراف السياسية في الدول التي تحترم المسؤولية تفرض على كبار المسؤولين العودة فوراً إلى بلدانهم عند وقوع أزمة، حتى عندما تكون المؤسسات قوية وقادرة على العمل دون حضورهم الشخصي.
وقال إن رؤساء الدول والحكومات يقطعون زياراتهم وعطلهم عند وقوع حرائق أو فيضانات أو كوارث أو أزمات أمنية، بينما قلب أخنوش، بحسب تعبيره، هذه القاعدة، إذ غادر المغرب في الوقت الذي كانت فيه الأزمة في أوجها.
كما لفت إلى أن رئيس الحكومة لم يخرج عن صمته خلال الفترة الأخيرة إلا عندما تعلق الأمر بالصراع الانتخابي والتحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن أخنوش أظهر اهتماماً واضحاً بما قد يؤثر في حظوظ حزبه، مقابل صمت كامل عندما تعلق الأمر بأزمة هزت المجتمع وأثارت أسئلة عميقة حول أوضاع الشباب ومستقبل البلاد.
وخلص الكنبوري إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بسفر رئيس حكومة إلى جزيرة إسبانية، بل بما كشفه هذا السفر من ترتيب للأولويات، إذ بدا أن الفوز في الانتخابات واستمرار الحزب في السلطة أكثر أهمية من التواصل مع المغاربة وتحمل المسؤولية السياسية خلال واحدة من أكثر اللحظات الاجتماعية قسوة وقلقاً.
وبحسب قراءة الكنبوري، فإن أخطر ما كشفته رحلة مايوركا لم يكن غياب رئيس الحكومة عن البلاد فقط، بل غيابه عن المسؤولية السياسية نفسها؛ فالحكومة صمتت حين انتظر المغاربة الكلام، ورئيسها غادر حين كان حضوره مطلوباً، فيما بدت الانتخابات مجرد سباق نحو السلطة لا امتحاناً لتحملها عند الأزمات.
