عاد النقاش حول المعاش الاستثنائي الذي يستفيد منه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إلى واجهة مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات، بعدما أعادت حسابات وصفحات إثارة مبلغ سبعة ملايين سنتيم شهرياً، وهو الملف الذي سبق أن أثار جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
غير أن الكاتب والباحث إدريس الكنبوري دخل على خط هذا النقاش بتدوينة حادة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، اعتبر فيها أن إعادة تحريك هذا الموضوع في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن مناخ انتخابي تتحرك داخله، بحسب تعبيره، جهات تسعى إلى توجيه غضب الرأي العام نحو قضية محدودة، بدل تركيز النقاش على ملفات الفساد الكبرى والصفقات المشبوهة واختلالات المال العام.
الكنبوري لم ينف حساسية موضوع معاش بنكيران، لكنه اعتبر أن المشكل الحقيقي لا يكمن فقط في إثارة هذا الملف الآن، بل في الطريقة التي ينجرف بها بعض المغاربة وراء ما وصفه بـ”الخدعة”، من خلال تحويل النقاش العمومي من قضايا أكثر خطورة إلى ملف واحد يستعمل، وفق رأيه، لتشتيت الانتباه عن المستفيدين الكبار من منظومات الريع والفساد وغلاء الأسعار.
وكتب الكنبوري، بلغة مباشرة، أن محاولة حصر النقاش في سبعة ملايين سنتيم شهرياً قد تتحول إلى وسيلة لصرف أنظار المغاربة، داخل الوطن وخارجه، عن “الفساد الضخم”، وعن ملفات قال إنها ترتبط بالصفقات المشبوهة والاختلاسات واستغلال ارتفاع الأسعار وأخذ الفوارق على حساب جيوب المواطنين.
واستحضر صاحب التدوينة ما نُشر خلال الفترة الأخيرة عبر حساب “جبروت” من معطيات واتهامات طالت سياسيين ومسؤولين، معتبراً أن هذا الحساب، الذي قال إنه “فضح السياسيين الذين يقف بعضهم خلف هذه الحملة”، لم يذكر بنكيران بسوء لأنه، بحسب تعبير الكنبوري، “لم يجد شيئاً”، وهو ما اعتبره مؤشراً لفهم خلفيات هذه الحملة وطبيعة الجهات التي تستفيد منها.
ولم يخلُ موقف الكنبوري من نبرة ساخرة، حين قال إنه على يقين بأن بنكيران “سوف يتنازل عن الملايين السبعة” إذا قام كل من سرق المال العام، حسب تعبيره، بإرجاع الأموال التي استفاد منها بغير وجه حق. وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن مبلغ سبعة ملايين سنتيم لا يمثل، في نظره، سوى “كلفة شراء الصناديق” التي قد تُستعمل لجمع الأموال المنهوبة، مع دفع أجور العاملين المكلفين بجمعها.
وشدد الكنبوري على أن موقفه لا يندرج في خانة الدفاع عن بنكيران سياسياً أو حزبياً، بل في خانة الدفاع عن ترتيب الأولويات داخل النقاش العمومي. فبحسب تصوره، هناك فرق كبير بين التركيز على ملف مثير للجدل لكنه محدود من حيث الحجم المالي، وبين تجاهل ملفات أكبر تمس المال العام والصفقات والريع وغلاء المعيشة.
وختم الكاتب تدوينته بصورة بلاغية لافتة، قال فيها إنه لا يدافع عن بنكيران، بل يدافع عن “صاحب الدجاجة مقابل سارق حظيرة أبقار بكاملها، بمن فيها الكلب والراعي، مع إتلاف المرعى”. وهي عبارة تختزل، في نظره، المفارقة بين تضخيم قضية محددة وتحويلها إلى عنوان للغضب الشعبي، مقابل الصمت عن ملفات أضخم وأكثر تأثيراً في حياة المغاربة.
وتعيد هذه التدوينة فتح سؤال جوهري حول كيفية صناعة النقاش السياسي في المغرب مع اقتراب كل محطة انتخابية، وحول الجهات التي تملك القدرة على توجيه الرأي العام نحو ملفات بعينها، في الوقت الذي تبقى فيه قضايا كبرى مرتبطة بالمال العام والأسعار والصفقات والريع في حاجة إلى نقاش مؤسساتي واضح، ومحاسبة فعلية لا تختار خصومها بعناية ولا تغض الطرف عن أصحاب النفوذ.
