وجه الصحافي رشيد البلغيتي انتقادات حادة إلى طريقة تفاعل الحكومة والأحزاب السياسية مع أزمة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، معتبراً أن المشهد كشف، بحسب تعبيره، عن «حالة موت للسياسة وللفاعلين السياسيين»، في أزمة وصفها بأنها غير مسبوقة.
وقال البلغيتي، خلال حوار مع الصحافية ديمة ترحيني على قناة «DW عربية»: «نحن هنا أمام حالة موت للسياسة وللفاعلين السياسيين. يتبين جلياً بأننا أمام حكومة لا تحكم، وأنهم غير قادرين على الإدلاء بأدنى تصريح أو كتابة أدنى بيان، ينتظرون بيانات وزارة الداخلية».
واعتبر أن حجم الأزمة واستثنائيتها كانا يفرضان رداً رسمياً سريعاً منذ الساعات والأيام الأولى، بدل انتظار مرور أيام قبل تقديم الرواية الرسمية للرأي العام.
وأضاف: «كان منتظراً، أمام حجم الأزمة واستثنائيتها، أن يكون هناك رد سريع، معناه في اليوم الأول والثاني، أن تتالى التصريحات من أعلى المستويات إلى أدناها»، مشدداً على أن الوضع كان يتطلب، بحسب رأيه، «تواصلاً متواتراً، مطمئناً، سريعاً وفعالاً».
وقال البلغيتي إنه كان يفترض أن يتحدث رئيس الحكومة والقطاعات الوزارية المرتبطة مباشرة بالأزمة، وفي مقدمتها وزارتا الداخلية والخارجية، إلى جانب المنتخبين المحليين في المناطق المعنية، حتى يتمكن الرأي العام المغربي من «متابعة ما يجري وفهم ما يجري بعيون مغربية وعلى لسان مغربي، بدل تتبع الأحداث والبحث عنها بين الجرائد الإسبانية في سبتة وفي مدريد وفي الصحافة الأوروبية بشكل عام».
وانتقد البلغيتي أيضاً غياب الأحزاب، وخصوصاً أحزاب الحكومة، عن التواصل خلال الأيام الأولى للأزمة، ناقلاً ما قال إنه سؤال يتردد في الشارع وفي لقاءات سياسية ونخبوية.
وقال: «نحن بعد ثلاثة أيام أو أربعة أيام من أزمة مغربية غير مسبوقة، فيها آلاف من الشباب ما زالوا يطاردون إلى الساعة التي نتحدث فيها في أزقة سبتة، ولدينا جثة معلومة وأخرى مجهولة، ولا حزب من أحزاب الحكومة كتب بلاغاً قبل صدور تصريح وزارة الداخلية».
وتابع متسائلاً: «فما هذه الأحزاب؟ وما الذي يمكن أن تقدمه في انتخابات وقد بلعت لسانها في أكثر الأزمات المغربية الحديثة؟ ما الذي سيقولونه للمغاربة غداً؟ وعن أي برامج سيتحدثون؟».
وتوقف البلغيتي عند بلاغ وزارة الداخلية، معتبراً أن الوزارة تحدثت بعد «ساعات طويلة مرت على المغاربة دهراً»، وأن الخطاب الرسمي ركز أساساً على الجانب الأمني، من خلال الحديث عن شبكات للاتجار بالبشر و«تجييش رقمي مغرض».
وقال إن وجود شبكات للاتجار بالبشر أو جهات رقمية خارج المغرب يظل، في تقديره، موضوعاً يفترض أن تحسم فيه التحقيقات الأمنية والقضائية، مضيفاً: «هذه مسألة خاضعة للبحث وللمراقبة وللتدقيق، للأبحاث القضائية والأبحاث الأمنية التي ستثبت وجود شبكات للاتجار في البشر أو عدم وجودها، وجود شبكات أو مجموعات سيبرانية خارج المغرب أو عدم وجودها».
ودعا في السياق ذاته إلى فتح بحث قضائي مستقل في المغرب لإجلاء حقيقة ما وقع، مستحضراً التحقيقات المفتوحة في إسبانيا بشأن الأحداث.
غير أن البلغيتي اعتبر أن السؤال الأكبر الذي غاب عن الخطاب الرسمي يتعلق بالأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت أعداداً كبيرة من المغاربة إلى محاولة العبور، واصفاً الوضع الاجتماعي بـ«البركان الخامد» الذي يظهر كلما وجد منفذاً.
وقال: «العوامل الأخرى، والتي نعرفها جميعاً، والتي يصمت عنها الساسة المغاربة بشكل غريب أمام كل أزمة، سواء كان ذلك سنة 2021 أو الآن، هي هذا البركان الاجتماعي الخامد الذي متى وجد متنفساً لأي سبب من الأسباب، سواء كان الأمر مرتبطاً بإشاعة أو بتأويل خاطئ لقرار قانوني أو غيره، كلما وجد هذا البركان الاجتماعي متنفساً ضيقاً إلا وخرج دخانه».
وأضاف أن الشباب المغربي يعيش، بحسب وصفه، «حالة انسداد أفق غير مسبوقة»، مستحضراً مؤشرات الفقر والبطالة والهشاشة، قبل أن يتحدث عن وجود فئات واسعة من الشباب غير المكونين وغير المشتغلين، واصفاً إياهم بعبارة حادة: «قنابل موقوتة تمشي على قدمين في أزقة المغرب وشوارعه».
وفي تشخيصه لبنية القرار السياسي، ذهب البلغيتي إلى القول إن الاختيارات الاستراتيجية الكبرى في المغرب تتجاوز، بحسب قراءته، الزمن الحكومي والبرلماني، مستشهداً بما ورد في خطاب العرش بشأن كون المكاسب الاقتصادية والاجتماعية نتيجة تراكمات تمتد عبر سنوات.
وأضاف: «هذا معناه أن التوجهات الرئيسية الاستراتيجية الكبرى ليست توجهات حكومية، هي توجهات فوق حكومية، هي توجهات فوق برلمانية»، قبل أن يخلص إلى أن الفاعل الحكومي، وفق هذا المنطق، يصبح مطالباً أساساً بالتنفيذ.
وربط البلغيتي هذا التصور أيضاً بالجدل الذي رافق سفر رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى إسبانيا، قائلاً إن جزءاً من المتابعين يفهم استمرار رئيس الحكومة في عطلته لأنهم يعتبرون أن «رئيس الحكومة لا يحكم»، وأن ملف الهجرة وهذه الأزمة «أبعد من أن تكون بين يديه».
كما اعتبر أن تدبير الملفات الكبرى، ومن ضمنها ملف الهجرة، يتم أساساً عبر ما يسمى في المغرب بـ«القطاعات السيادية»، قائلاً إن المسؤولين عنها «لم يأتوا من صناديق الاقتراع».
وتحدث البلغيتي كذلك عن السيناريوهات التي تطرح اسم فوزي لقجع في سياق رئاسة الحكومة المقبلة، معتبراً أن انتقال شخصية قادمة من مجال يوصف بالسيادي إلى حزب سياسي ثم الدفع بها نحو رئاسة الحكومة، إن حدث، قد يؤدي في نظره إلى «إعادة إنتاج نفس الدورة التي نعيشها».
واختار البلغيتي استعارة سينمائية لوصف إصرار الشباب على الهجرة، مشبهاً الشباب المغربي بشخصية «بابيون» التي تكرر محاولاتها للهروب، قائلاً: «المغاربة اليوم وشبابهم على وجه الخصوص بابيون.. فراشة تبحث عن الحرية، إن وجدتها في المغرب بقوا، وإن انعدمت سيهربون».
وعن تأثير أحداث سبتة على صورة المغرب في الخارج، رفض البلغيتي القراءة التي ترى إمكانية وجود مكاسب سياسية أو رمزية فيما وقع، وقال: «أنا لا أرى شيئاً إيجابياً في الذي حدث. لقد ساءت صورتنا وصورة بلدنا كثيراً في العالم».
وأضاف أن صور العبور الجماعي منحت، بحسب تعبيره، فرصة لليمين المتطرف في أوروبا والغرب لتوظيف الأزمة في خطابه ضد الإسلام والعرب والأفارقة والمهاجرين، قبل أن يعتبر أن الصورة التي عمل المغرب على بنائها دولياً خلال سنوات تلقت ضربة قوية.
وختم البلغيتي بالقول: «السردية الرسمية التي بنيت بعناية فائقة منذ 20 سنة، واستعملت فيها سياسات مهمة وأموال مهمة، وعلى رأسها كرة القدم، سقطت في 48 ساعة».
