كشفت مصادر إعلامية عن معطيات مثيرة من تقارير منسوبة إلى لجان تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية، ما تزال في طور المصادقة النهائية، وترتبط باختلالات محتملة في تدبير رخص البناء واستخلاص الرسوم الجبائية بعدد من الجماعات الترابية الواقعة ضمن نفوذ جهات الدار البيضاء-سطات، ومراكش-آسفي، وبني ملال-خنيفرة.
ولا تقدم هذه المعطيات الملف باعتباره مجرد هفوات إدارية معزولة أو ارتباكاً عادياً في مساطر التعمير، بل تضع الأصبع على جرح أعمق داخل تدبير المجال الترابي، حيث تتحول وثائق يفترض أن تكون أدوات لتنظيم العمران وحماية الأرض والمال العام إلى مداخل محتملة للريع، ولإعادة تشكيل المجال خارج الضوابط القانونية والمؤسساتية المفترضة.
لم يعد خافياً أن وثائق التعمير في عدد من الجماعات تحولت، مع مرور الوقت، من وسائل لضبط المجال وحماية الثروة الوطنية إلى وثائق ذات أثر كبير في توجيه العقار والاستثمار والربح.
وحين تصبح رخص البناء موضوع شبهات في الإصدار والتسلسل والتقييد والاستخلاص، فإن الأمر لا يتعلق بورقة إدارية عابرة، بل بمدخل مباشر إلى العقار والجباية والسلطة المحلية.
الخطير في ما تم تداوله إعلامياً أن التقارير تحدثت عن شبهات إصدار رخص بناء دون استيفاء الرسوم القانونية المترتبة عنها، خصوصاً الرسم على عمليات البناء، الذي يشكل مورداً جبائياً مهماً بالنسبة إلى ميزانيات الجماعات الترابية.
وهنا تظهر المفارقة الصادمة: جماعات تشتكي ضعف الموارد وشح الإمكانيات لتبرير تدهور الخدمات والبنيات، بينما تضيع، وفق هذه المعطيات، مداخيل كان يفترض أن تعود إلى خزائنها لتمويل حاجيات السكان ومرافق القرب.
ولا تقف حساسية الملف عند الجانب المالي وحده، بل تمتد إلى عمق المنظومة العمرانية. فالتقارير ذاتها تشير إلى تلاعبات محتملة في الأرقام التسلسلية لوثائق رخص البناء، وإلى تحويل مساحات من الأراضي الفلاحية إلى أوعية عقارية موجهة للسكن أو الاستثمار السياحي، دون المرور، حسب ما نُشر، من القنوات القانونية المفترضة، ودون إشراك كاف للوكالات الحضرية والسلطات الإقليمية المعنية.
أن تتحول أراضٍ فلاحية، يفترض أن تكون جزءاً من الأمن الغذائي والتوازن المجالي، إلى إسمنت ومنتجعات ومشاريع عقارية بقرارات إدارية مشكوك في مسارها، فذلك لا يطرح فقط سؤال التعمير، بل يطرح سؤال الدولة نفسها في علاقتها بالمجال.
من يحمي الأرض حين تصبح الوثيقة أقوى من القانون؟ ومن يضمن ألا تتحول الرخصة من أداة للتنظيم إلى وسيلة لإنتاج الأمر الواقع؟
وتزداد الصورة تعقيداً مع الحديث عن رخص أحادية وشهادات غير مدرجة في سجلات وزارة الداخلية، بعضها يحمل تواريخ سابقة أو كان، وفق المعطيات المتداولة، موقعاً وجاهزاً للاستعمال. هذه العناصر، إن تأكدت رسمياً، لا تعكس فقط ضعفاً في المراقبة، بل تكشف احتمال وجود طريقة منظمة لتدبير الوثائق خارج المسارات العادية، بما يجعل الرقابة اللاحقة عاجزة أمام واقع عمراني يكون قد ترسخ فوق الأرض.
ومن بين النقاط المثيرة في الملف استعمال صيغ إدارية بديلة، من قبيل “إذن إداري”، في سياقات قد تكون استهدفت الالتفاف على الشروط القانونية المفروضة على بعض الشهادات الإدارية المرتبطة بمساطر التحفيظ العقاري ومحاربة البناء العشوائي.
هنا تحديداً تظهر خطورة اللغة الإدارية حين لا تعود مجرد توصيف تقني، بل تصبح باباً خلفياً لتجاوز الضوابط وتفادي المساطر التي يفترض أن تمر عبر البحث الميداني والتوقيع القانوني والرقابة الترابية.
كما أن الحديث عن تجاوز المسارات الرقمية المفترضة، بما فيها المنصات الإلكترونية الخاصة بالتراخيص وفي مقدمتها منصة “رخص”، يفتح سؤالاً آخر حول جدوى الرقمنة إذا بقي القرار الفعلي قابلاً للالتفاف عبر وثائق موازية أو صيغ إدارية هجينة.
فالرقمنة لا تحمي المجال وحدها إذا لم تكن مصحوبة بإرادة مراقبة صارمة وبمحاسبة فعلية لكل من يستعمل الإدارة لإنتاج الاستثناء بدل احترام القانون.
وتتحدث المعطيات نفسها عن احتمال تورط رؤساء جماعات حاليين وسابقين، إلى جانب رجال سلطة وأعوان سلطة، في إصدار أو تسهيل وثائق مشبوهة.
ورغم أن الحسم في المسؤوليات يبقى رهيناً بالمساطر الرسمية وما ستنتهي إليه التقارير النهائية، فإن مجرد ورود هذا المستوى من التشابك بين المنتخب والمعين يطرح سؤال الحكامة الترابية بحدة: هل يتعلق الأمر بأخطاء أفراد، أم ببنية محلية تسمح بتبادل المنافع بين القرار الانتخابي والسلطة الإدارية والمصلحة العقارية؟
هنا يصبح الحديث عن “بنية الريع التعميري” أكثر من توصيف سياسي. فالريع لا يولد فقط من الصفقة أو الدعم أو الامتياز المباشر، بل قد يولد أيضاً من رخصة موقعة خارج المسار، ومن شهادة إدارية غامضة، ومن تاريخ سابق، ومن رقم تسلسلي ملتبس، ومن صمت إداري يسمح للإسمنت بأن يتحول إلى واقع يصعب التراجع عنه.
الملف يضع سلطات الوصاية أمام اختبار صريح فالتحذيرات السابقة الموجهة إلى رؤساء الجماعات بخصوص الرخص الأحادية ومخالفة مساطر التعمير لم تكن، على ما يبدو، كافية لوقف ممارسات يشتبه في استمرارها داخل عدد من المناطق. ولذلك لم يعد السؤال مقتصراً على من وقع الوثيقة، بل يمتد إلى من راقب، ومن صمت، ومن سمح بتراكم الاختلالات إلى أن أصبحت موضوع تقارير تفتيش.
المحاسبة الإدارية التي تنتهي عند العزل أو التنبيه لم تعد كافية أمام الأثر العميق لمثل هذه الملفات. فالإسمنت إذا تمدد خارج القانون يصعب اقتلاعه، والمال العام إذا ضاع في ثغرات الجباية يصعب استرجاعه، والثقة إذا تآكلت بين المواطن والإدارة لا ترممها البلاغات وحدها.
المطلوب اليوم ليس فقط تحديد المسؤوليات الفردية، بل تفكيك المسارات التي تجعل الرخصة الإدارية قابلة للتحول إلى أداة ربح خاص على حساب المجال العام.
ومن المرتقب، حسب ما أوردته المصادر ذاتها، أن تفضي التقارير المنتظر المصادقة عليها إلى إجراءات إدارية وقانونية قد تتجاوز العزل نحو الإحالة على القضاء المختص، إذا ثبت وجود أفعال تكتسي طابعاً مالياً أو جنائياً. غير أن الرهان الأكبر يظل في تحويل هذا الملف إلى لحظة مراجعة شاملة لعلاقة الجماعات بالتعمير، وعلاقة المنتخب بالعقار، وعلاقة الإدارة بالرقابة.
قضية رخص البناء ليست تفصيلاً محلياً عابراً، بل مرآة لطريقة تدبير المجال حين يلتقي العقار بالانتخابات والإدارة والمال. وإذا كانت التقارير النهائية ستحدد المسؤوليات وترسم حدود المتابعة الإدارية والقانونية، فإن النقاش العمومي مطالب منذ الآن بطرح السؤال الأهم: من يملك الشجاعة لتفكيك بنية الريع التعميري قبل أن يتحول ما تبقى من الأخضر إلى خرائط إسمنتية مشوهة؟
