دخلت المواجهة بين هيئات المحامين والمسار التشريعي لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة منعطفاً جديداً من التصعيد، بعدما أعلن مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء تعليق تقديم الخدمات المهنية بجميع أشكالها، ابتداءً من يوم الأربعاء 24 يونيو 2026، وإلى إشعار آخر.
وجاء هذا القرار، وفق بلاغ صادر عن نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء محمد حسيبي، عقب مواصلة مجلس الهيئة اجتماعه المفتوح، واطلاعه على مخرجات التعديلات المقبولة من طرف لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، خلال اجتماعها المنعقد بتاريخ 22 يونيو الجاري.
البلاغ عبّر عن رفض واضح لعدد من المقتضيات التي اعتبرتها الهيئة تراجعاً عن ضمانات مهنية ومؤسساتية أساسية، وفي مقدمتها رفع سن الولوج إلى مهنة المحاماة إلى خمسين سنة، وهو تعديل ترى الهيئة أنه يطرح إشكالاً بالمقارنة مع باقي المهن والوظائف، دون أن يوفر، في المقابل، تحصيناً حقيقياً لولوج المهنة.
كما توقف مجلس الهيئة عند ما وصفه بـ”المس الفاضح بالاستقلالية”، من خلال مقتضيات تتعلق بتسقيف واجب الانخراط وربطه بنص تنظيمي يصبح مرجعاً في تحديده، إلى جانب إخضاع المحامي لتكوين مستمر يشرف عليه المعهد، وهي نقاط تعتبرها الهيئة مساساً بجوهر التنظيم الذاتي للمهنة.
ومن بين أكثر النقاط إثارة للجدل، رفضت هيئة المحامين بالدار البيضاء إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، معتبرة أن هذا التوجه يمس الاستقلالية المالية للهيئات المهنية، وينعكس على مشاريعها وأوراشها الاجتماعية.
وذهبت الهيئة إلى اعتبار هذا المقتضى مخالفاً لأحكام الدستور ولمقتضيات القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، خاصة المواد التي تحدد الجهات الخاضعة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وحصرها في الدولة والأجهزة العمومية، وفق ما ورد في البلاغ.
وشددت الهيئة على أن حسابات الودائع والأداءات لها طبيعة قانونية خاصة، وترتبط بتدبير أموال مودعة وفق أحكام محددة، بما يفرض، حسب موقفها، استحضار القواعد القانونية المنظمة للوديعة، ومصاريف التسيير والتدبير، والتأمين على المسؤولية المدنية المرتبطة بهذه العمليات.
ولم يقف البلاغ عند مضمون التعديلات فقط، بل انتقد أيضاً المسار التشريعي للمشروع، معتبراً أن بعض المقتضيات عرفت تعديلات متكررة، من قبيل المقتضى المتعلق بتاريخ اكتساب الحق في الترافع أمام محكمة النقض، وأخرى مرتبطة بالتنظيم الذاتي للهيئات، وهو ما اعتبرته الهيئة مؤشراً على غياب الوضوح والاستقرار في إعداد النص.
واعتبر مجلس الهيئة أن المسطرة التشريعية التي طبعت مسار مشروع قانون المهنة ابتعدت عن ضوابط التشريع السليم، خاصة من حيث دراسة الأثر والجدوى، بل ذهب إلى القول إن بعض التعديلات المقبولة داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين “قائمة على المحاباة التشريعية”.
البلاغ حمّل الحكومة والبرلمان المسؤولية الكاملة عما وصفه بـ”التخبط التشريعي”، مؤكداً أن المقتضيات موضوع الاعتراض تتعارض، حسب تقدير الهيئة، مع أحكام الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة، وتمس المبادئ المؤسسة للحق في الدفاع.
وفي ختام البلاغ، دعا نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء جميع المحاميات والمحامين إلى اليقظة والتعبئة الشاملة لإنجاح الخطوات النضالية المعلنة، مؤكداً أن القرار يأتي دفاعاً عن المصلحة المهنية وعن موقع المحاماة داخل منظومة العدالة.
