لم يعد الانتقال الطاقي في المغرب مجرد ملف تقني يرتبط بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح.
فقد تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى جزء أساسي من الصورة التي تقدمها الدولة عن نفسها في الخارج، باعتبارها بلداً يراهن على الطاقة النظيفة، ويتحدث عن الهيدروجين الأخضر، ويطمح إلى موقع متقدم في سوق عالمي يعاد تشكيله تحت ضغط المناخ، والتمويل، والكلفة.
غير أن الأرقام الدولية، حين تخرج من خارج البلاغات الرسمية، تفرض قراءة أكثر هدوءاً وأشد إرباكاً.
فالمغرب حاضر في خريطة الطاقة النظيفة، لكنه لم يتحول بعد إلى نموذج مكتمل في الجاهزية، والنجاعة، والعدالة الطاقية.
مؤشر الانتقال الطاقي لسنة 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يضع المغرب في الرتبة 72 عالمياً من أصل 120 دولة.
هذا الرقم لا يسمح بخطاب الفشل، لكنه لا يسمح أيضاً بخطاب الانتصار. إنه رقم وسط، لكنه كاف لطرح سؤال كبير حول ما إذا كان الخطاب الرسمي عن “المغرب الأخضر” يعكس حقيقة المنظومة الطاقية، أم يعكس فقط جزءاً مضيئاً من صورة أكبر، تخفي وراءها أعطاباً في الحكامة، والتمويل، والصيانة، والكلفة.
بحسب المعطيات المرتبطة بالمؤشر، حصل المغرب على 54.5 نقطة في التنقيط العام، مع 58.4 نقطة في أداء النظام الطاقي الحالي، و48.6 نقطة فقط في جاهزية الانتقال الطاقي.
وهنا تكمن الدلالة الأهم. فالمشكل لا يتعلق فقط بما تم إنجازه، بل بقدرة السياسات العمومية على تحويل المشاريع الكبرى إلى منظومة مستقرة، ممولة، عادلة، وقادرة على الصمود أمام الأعطاب، والتقلبات، وضغط الكلفة على الاقتصاد والمواطن.
هنا يصبح السؤال سياسياً قبل أن يكون تقنياً، ماذا يعني أن بلداً يقدم نفسه كواجهة إفريقية وعربية في الطاقة الشمسية، والريحية، والهيدروجين الأخضر، ما زال في وسط الترتيب العالمي؟ وماذا يعني أن تظل الجاهزية دون مستوى الطموح، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن مشاريع كبرى، واستثمارات خضراء، وتموقع إقليمي واعد؟
الجواب لا يوجد في الندوات، ولا في الصور الرسمية أمام الألواح الشمسية، ولا في اللغة اللامعة التي ترافق المؤتمرات الدولية. الجواب يوجد في التفاصيل التي لا تظهر دائماً في الواجهة: وضوح القوانين، واستقرار التمويل، وتحديث الشبكات، وقدرة التخزين، وتنافسية الكلفة، وجودة الصيانة، وحجم الأثر الحقيقي لهذه المشاريع على المواطن، والمقاولة، والإنتاج.
فالانتقال الطاقي لا يقاس بعدد المشاريع المعلنة فقط، بل بما إذا كان قادراً على تخفيف ضغط الغلاء على المواطن، وخفض كلفة الطاقة على الاقتصاد، وفتح المجال أمام المقاولات الوطنية.
أما حين يبقى مشروعاً كبيراً لا يشعر به المغاربة إلا في البلاغات، فإن الواجهة الخضراء تتحول إلى سؤال سياسي لا إلى جواب تنموي.
وليست الرتبة 72 رقماً معزولاً عن الواقع، فمحطة نور 3 بورزازات، إحدى أبرز واجهات الخطاب الطاقي المغربي، ظلت خارج الخدمة لأزيد من عام، بعد تسرب في خزان الملح المنصهر الساخن، قبل أن تعود إلى الاشتغال في أبريل 2025. نحن أمام محطة بقدرة 150 ميغاواط، كلفت وحدها ما بين 862 و900 مليون دولار، أي ما يقارب 9 مليارات درهم، قبل أن يتحول عطب تقني فيها إلى سؤال مالي، بعدما قدرت شركة ACWA Power أثره بحوالي 47 مليون دولار.
هذه الواقعة لا تلغي قيمة المشروع، ولا تنسف أهمية الاستثمار في الطاقة الشمسية.
لكنها تكشف أن الانتقال الطاقي الحقيقي لا يصنع بالواجهة وحدها، إنه يصنع أيضاً بالاختيار التكنولوجي السليم، وبتقييم المخاطر، وبقدرة الصيانة، وبشفافية الكلفة، وبوضوح المسؤوليات حين تتوقف محطة كبرى عن الإنتاج لأشهر طويلة.
هنا لا يعود النقاش حول الطاقة النظيفة مجرد حديث عن الريادة. يصبح سؤالاً عن الحكامة التقنية والمالية: من اختار التكنولوجيا؟ كيف جرى تقييم مخاطرها؟ من يتحمل كلفة التوقف؟ ما أثر الأعطاب على الإنتاج والكلفة؟ وكيف يمكن للسياسات الحكومية أن تطلب ثقة المواطن في خطاب الانتقال الطاقي، بينما إحدى أبرز واجهاته احتاجت إلى توقف طويل وإصلاح مكلف؟
المغرب لم ينطلق من الصفر، هذا صحيح. لديه تجربة معتبرة في الطاقات المتجددة، وموقع جغرافي يمنحه أفضلية قريبة من أوروبا وإفريقيا، ومؤهلات طبيعية كبيرة في الشمس والرياح. لكن المؤشر الدولي وقصة نور بورزازات يضعان أمام الحكومة سؤالاً لا يمكن تجاوزه: لماذا لم تتحول هذه الأفضلية إلى رتبة أكثر قوة؟ ولماذا لا تزال الجاهزية أقل من مستوى الخطاب السياسي والاقتصادي حول الانتقال الأخضر؟
الخلل قد لا يكون في وجود المشاريع، بل في طريقة ترتيب الأولويات.
فحين يتحول الانتقال الطاقي إلى واجهة استثمارية فوقية، أو إلى ملف تقني مغلق، يضيع جوهره الاجتماعي والاقتصادي. المواطن لا يهمه كثيراً أن يسمع عن الهيدروجين الأخضر، إذا ظلت كلفة الطاقة تضغط على معيشه اليومي.
والمقاولة الصغرى لا تستفيد من “المغرب الأخضر”، إذا بقيت شروط الولوج إلى التمويل، والتكنولوجيا، والشبكات، حكراً على الكبار. والجهات الداخلية لا تلمس معنى الانتقال الطاقي، إذا بقيت القيمة المضافة متمركزة في دوائر محدودة.
المؤشر لا يقول إن المغرب خارج السباق. لكنه يقول إن السباق أصعب من الصورة التي تقدمها الحكومة.
فالعالم لم يعد يقيس الانتقال الطاقي بالشعارات، بل بالقدرة على بناء نظام آمن، ميسر، مستدام، ومهيأ للمستقبل.
وهذه بالضبط هي النقطة التي يجب أن تقلق صناع القرار: المغرب يملك طموحاً كبيراً، لكنه ما زال مطالباً بإثبات أن هذا الطموح يتحول إلى سياسة عمومية متماسكة، لا إلى سلسلة مشاريع ضخمة قد تتعثر عند أول اختبار تقني أو مالي.
الرتبة 72 ليست مجرد رقم في جدول عالمي، ونور بورزازات ليست مجرد عطب في محطة شمسية.
الاثنان معاً يرسمان صورة أكثر عمقاً: هناك انتقال طاقي يتقدم في الخطاب، لكنه يحتاج إلى مساءلة أكبر في الحكامة، والتمويل، والصيانة، والشفافية، وتوزيع العائد الاقتصادي والاجتماعي.
فإذا كانت الحكومة تريد فعلاً أن تجعل من المغرب قوة طاقية خضراء، فعليها أن تخرج من منطق تسويق الإنجاز إلى منطق مساءلة النتائج.
أين وصل تحديث الشبكات؟ ما أثر المشاريع على كلفة الطاقة؟ من يستفيد من الاستثمارات الخضراء؟ كم نصيب المقاولات الوطنية؟ وكيف سيتم ضمان ألا يتحول الانتقال الطاقي إلى سوق جديدة للكبار فقط، بينما يبقى المواطن تحت ضغط الغلاء؟
الانتقال الطاقي الحقيقي لا يبدأ من الخطاب، بل من الجاهزية. وحين تكون الجاهزية دون مستوى الطموح، وحين تتعطل إحدى واجهات الطاقة الشمسية لأزيد من عام، يصبح السؤال مشروعاً: هل نبني سياسة طاقية للمستقبل، أم نكتفي بتلميع حاضر لا تعكسه الأرقام الدولية، ولا يصمد أمام أعطال الواقع؟
