لم يكن إسقاط مقترحي قانون تنظيم أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير” للدولة حدثاً تشريعياً عادياً داخل مجلس المستشارين.
كان لحظة سياسية كاشفة.
لحظة وضعت البرلمان أمام سؤال بسيط وثقيل في الآن نفسه: هل ما زالت المؤسسة التشريعية قادرة على فتح الملفات التي تمس جيوب المغاربة مباشرة، أم أن الاقتراب من بعض القطاعات صار يربك الأغلبية أكثر مما يربك السوق؟
المقترحان اللذان تقدمت بهما مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لا يخرجان عن صلب وظيفة البرلمان.
الأول يتعلق بتنظيم أسعار المحروقات، والثاني يفتح باب تفويت أصول شركة “سامير”، الموجودة في طور التصفية القضائية، لحساب الدولة المغربية.
أي أننا أمام ملفين يرتبطان مباشرة بالقدرة الشرائية، والأمن الطاقي، والمنافسة، والسيادة الصناعية، وحماية المواطن من آثار قرارات اقتصادية كبرى اتخذت في السابق وما زال المغاربة يدفعون ثمنها اليوم.
ومع ذلك، تحول النقاش من سؤال الحلول إلى سؤال الإحراج.
فبحسب ما أورده الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز، وصل الأمر إلى حد اعتبار عرض مقترح تفويت “سامير” للدولة ومقترح تنظيم أسعار المحروقات “سبة في حق مجلس المستشارين”.
هنا تبدأ المفارقة.
كيف يصبح عرض مقترح قانون داخل مؤسسة تشريعية إساءة للمؤسسة نفسها؟
كيف يتحول النقاش في أسعار المحروقات، وهي من أكثر الملفات التصاقاً بمعيش المغاربة، إلى عبء سياسي بدل أن يكون تمريناً طبيعياً في التشريع والمراقبة؟
وكيف يصبح البحث عن مخرج لملف “لاسامير” موضوعاً مزعجاً، رغم أن الأمر يتعلق بمنشأة كانت تمثل الذراع التكريرية الوحيدة للمغرب؟
الدستور لا يجعل البرلمان فضاءً للصمت، بل يمنحه سلطة التشريع ،والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ليست خارج اختصاص ممثلي الأمة، بل توجد في قلب مسؤوليتهم.
لذلك، فإن عرض مقترح قانون يهم المحروقات لا يمكن أن يكون “سبة” إلا في نظر من يعتبر أن فتح هذا الملف يلامس توازنات أعمق من مجرد نقاش تقني حول الأسعار.
المحروقات في المغرب لم تعد مجرد رقم يظهر على لوحات محطات الوقود.
إنها تدخل في ثمن النقل، والخضر، والمواد الغذائية، وكلفة الإنتاج، والفلاحة، والصناعة، وكل ما يصل في النهاية إلى جيب المواطن.
كل ارتفاع في الغازوال والبنزين يتحول إلى موجة غلاء أوسع. وكل تردد حكومي في ضبط السوق يؤدي ثمنه المواطن، سواء كان يملك سيارة أو لا يملكها.
منذ تحرير أسعار المحروقات، وجد المغاربة أنفسهم أمام معادلة قاسية: الأسعار ترتفع بسرعة حين ترتفع في السوق الدولية، لكنها تصبح بطيئة وغامضة حين تنخفض.
وبين الحالتين، يبقى المواطن الطرف الأضعف، فيما تستمر الأسئلة حول الهوامش، والمنافسة، والضرائب، ودور الدولة في حماية التوازن داخل قطاع استراتيجي.
بنكيران حرر الأسعار.
العثماني لم ينجح في تسقيفها.
وحكومة أخنوش وجدت نفسها أمام ملف محمل بحساسية سياسية واقتصادية مضاعفة، خاصة في ظل النقاش العمومي المتكرر حول تضارب المصالح، وعلاقة السلطة بالقطاع الطاقي، وحدود قدرة الحكومة على مواجهة بنية الأرباح داخل سوق المحروقات.
لذلك لا يمكن قراءة إسقاط مقترح تنظيم الأسعار كتصويت تقني فقط.
إنه موقف سياسي من سؤال الغلاء.
موقف من حدود السوق.
موقف من قدرة الدولة على التدخل حين تتحول الأسعار إلى ضغط يومي على المواطنين.
أما “لاسامير”، فهي ليست مجرد شركة متوقفة أو ملفاً قضائياً معقداً.
إنها عنوان لفشل جماعي في حماية صناعة استراتيجية، توقفها لم ينه فقط نشاط التكرير بالمغرب، بل أضعف هامش البلاد في التخزين، والتدخل، والمناورة أمام تقلبات السوق الدولية.
حين تغيب المصفاة، يربح منطق الاستيراد الكامل.
وحين يغيب التكرير الوطني، تتقلص قدرة الدولة على بناء أمن طاقي حقيقي.
وحين يتحول ملف “سامير” إلى جثة اقتصادية معلقة، يصبح الحديث عن السيادة الطاقية خطاباً ناقصاً.
لذلك، فإن النقاش حول تفويت أصول “سامير” للدولة ليس حنيناً نقابياً إلى الماضي، ولا مجرد دفاع عن شركة متوقفة.
إنه سؤال استراتيجي مباشر: هل يمكن لبلد يواجه تقلبات الطاقة والأسعار أن يتخلى نهائياً عن صناعته التكريرية، ثم يواصل الحديث بثقة عن الأمن الطاقي؟
إسقاط المقترحين داخل مجلس المستشارين وجه رسالة واضحة.
الأغلبية لا تريد، أو لا تقدر، أن تفتح هذا الباب.
لا تريد، أو لا تقدر، أن تناقش بجدية نتائج تحرير أسعار المحروقات.
لا تريد، أو لا تقدر، أن تضع “سامير” ضمن تصور وطني جديد للأمن الطاقي.
ولا تريد، أو لا تقدر، أن تواجه السؤال الأكثر إحراجاً: من استفاد من موت المصفاة؟ ومن يستفيد من استمرار غيابها؟ ومن يخاف من عودتها إلى حضن الدولة؟
هنا يصبح موقف الحسين اليماني أكثر من مجرد رد نقابي.
إنه تنبيه سياسي إلى بنية كاملة فضلت إدارة الظهر للملف بدل مواجهته.
حكومة لا تبادر، أغلبية تصوت ضد، وأطراف سياسية ونقابية تبدو مرتبكة أمام ملف يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
فالخلاف حول مقترح قانون أمر طبيعي داخل البرلمان.
لكن غير الطبيعي هو أن يتحول النقاش حول المحروقات و”سامير” إلى موضوع يسبب كل هذا الحرج.
البرلمان لا يفقد هيبته حين يناقش أسعار المحروقات.
يفقدها حين يبدو بعيداً عن ألم المواطنين.
ولا تُهان المؤسسة التشريعية حين يعرض عليها مقترح قانون.
تُهان حين تتحول إلى جدار أمام سؤال اجتماعي حارق.
الحديث عن الدولة الاجتماعية يصبح ناقصاً إذا لم يقترب من المحروقات.
فلا معنى لدعم اجتماعي تلتهمه كلفة النقل، ولا معنى للحديث عن حماية القدرة الشرائية إذا كان أصل جزء كبير من الغلاء محاطاً بالصمت والتبرير، ولا معنى لإخبار المواطن بأنه مطالب بالتكيف مع الأسعار، بينما لا تطالب الحكومة نفسها بالتكيف مع الدستور، ولا تطالب الأغلبية نفسها بالتكيف مع معنى تمثيل المواطنين.
اليوم، لم يعد ملف المحروقات قابلاً للاختباء خلف لغة السوق وحدها.
لقد صار ملف محاسبة سياسية.
من حرر الأسعار؟
من استفاد من التحرير؟
من صمت على موت “سامير”؟
من عجز عن التسقيف؟
من عرقل التنظيم؟
ومن صوت ضد محاولة إعادة الدولة إلى قطاع استراتيجي يمس حياة المغاربة يومياً؟
هذه الأسئلة لا تسقط بسقوط مقترح قانون.
قد تنتهي جلسة التصويت داخل البرلمان، لكن أثر الفاتورة لا ينتهي داخل البيوت.
وقد تسقط الأغلبية نصاً قانونياً بالأرقام، لكنها لا تستطيع إسقاط الإحساس العام بأن ملف المحروقات كشف أكثر مما أخفى: كشف هشاشة الخطاب الاجتماعي، وحدود الإرادة السياسية، وصعوبة الاقتراب من منطقة تختلط فيها السياسة بالاقتصاد وبالمازوط والبنزين.
وإذا كان إنقاذ “لاسامير” وتهدئة أسعار المحروقات قد اعتبرا، في نظر البعض، “سبة” في حق مؤسسة تشريعية، فإن الإهانة الحقيقية هي أن يبقى المواطن وحده في مواجهة سوق لا ترحم، بينما يواصل البرلمان والأغلبية والحكومة الدوران حول السؤال الأخطر:
من يحكم سوق المحروقات في المغرب؟
