بقلم: الباز عبدالإله
وضع المجلس الأعلى للحسابات منظومة الإعفاءات والامتيازات الضريبية أمام أسئلة مباشرة حول طريقة تدبيرها واستمرار جدواها، بعدما بلغت كلفة ما تسميه المالية العمومية «النفقات الجبائية» خلال سنة 2024 نحو 31.5 مليار درهم، في وقت لم تشمل فيه عملية تقييم الكلفة 39 تدبيراً ضريبياً استثنائياً، واستحوذت تدابير تعود إلى ما قبل سنة 2020 على حوالي 97 في المائة من القيمة الإجمالية لهذه النفقات.
المعطيات وردت في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور رسمياً في 8 يوليوز 2026، والذي أعاد ملف النفقات الجبائية إلى واجهة النقاش حول الموارد التي تتخلى الدولة عن تحصيلها، ومدى استمرار المبررات الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها هذه الاستثناءات.
ولا تعني «النفقات الجبائية» أموالاً تصرفها الخزينة مباشرة، بل موارد تتنازل الدولة عن تحصيلها نتيجة تطبيق استثناءات من النظام الضريبي العادي، في شكل إعفاءات كلية أو جزئية أو مؤقتة وتخفيضات وخصوم وضرائب جزافية وتسهيلات مالية.
وبلغة الميزانية، يتعلق الأمر بموارد كان يمكن أن تدخل خزينة الدولة في غياب هذه الاستثناءات، لكنها لا تُحصّل بهدف تحقيق غايات اقتصادية أو اجتماعية أو قطاعية محددة، وهو ما يجعل تقييم نتائجها جزءاً أساسياً من الحكم على مدى فعالية هذا الاختيار الجبائي.
وبلغت الكلفة المقدرة للنفقات الجبائية خلال سنة 2024 ما مجموعه 31 ملياراً و493 مليون درهم، أي ما يقارب 3150 مليار سنتيم، بما يعادل نحو عُشر المداخيل الجبائية المسجلة خلال السنة نفسها.
ورغم انخفاض هذه الكلفة مقارنة بسنة 2023، عندما بلغت النفقات الجبائية 36.96 مليار درهم، بعدما سجلت 37.96 ملياراً سنة 2022، ونحو 32 ملياراً سنة 2021 و27.83 ملياراً سنة 2020، فإن حجمها خلال سنة واحدة يظل كافياً لطرح سؤال حول العائد الذي تحققه الدولة مقابل التخلي عن عشرات المليارات من الموارد الضريبية.
ويزداد هذا السؤال ثقلاً بالنظر إلى معطيات التقييم نفسها، إذ بلغ عدد التدابير الضريبية الاستثنائية القائمة خلال سنة 2024 ما مجموعه 268 تدبيراً، غير أن الكلفة المالية لم تُقيّم سوى بالنسبة إلى 229 تدبيراً.
وبذلك بقي 39 تدبيراً خارج عملية تحديد الكلفة، وهو ما يعني أن مبلغ 31.5 مليار درهم يعكس قيمة الإجراءات التي أمكن تقييمها، ولا يمثل بالضرورة الكلفة الكاملة لجميع التدابير الضريبية الاستثنائية المعمول بها.
وتضع هذه المعطيات وزارة الاقتصاد والمالية أمام سؤال يتعلق بمدى اكتمال صورة الكلفة الحقيقية للمنظومة، خصوصاً أن تقييم النفقات الجبائية لا يقتصر على معرفة قيمة ما تتخلى عنه الدولة من موارد، وإنما يفترض كذلك قياس ما إذا كانت هذه الامتيازات تحقق الأهداف التي أُحدثت من أجلها.
ويكشف توزيع النفقات الجبائية حسب نوع الضريبة أن الضريبة على القيمة المضافة تستحوذ وحدها على القسم الأكبر، بكلفة بلغت حوالي 15 مليار درهم، أي قرابة 48 في المائة من إجمالي النفقات الجبائية.
ووصلت كلفة الامتيازات المتعلقة بالضريبة على الدخل إلى حوالي 4.9 مليارات درهم، أي نحو 16 في المائة، فيما بلغت النفقات الجبائية المرتبطة بالضريبة على عقود التأمين حوالي 4.2 مليارات درهم، أي 13 في المائة، مقابل نحو 2.8 مليار درهم بالنسبة إلى الضريبة على الشركات، بما يعادل 9 في المائة.
أما عن سؤال المستفيد الأكبر، فإن تقرير المجلس لا يقدم أسماء شركات أو أشخاص بعينهم، لكنه يكشف توزيع النفقات الجبائية حسب مجالات النشاط، حيث يتصدر مجال الأمن والاحتياط الاجتماعي القائمة بكلفة بلغت حوالي 7.6 مليارات درهم، أي 24 في المائة من الإجمالي، يليه إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز بنحو 6.56 مليارات درهم وحصة تقارب 21 في المائة، ثم القطاع العقاري بحوالي 5.55 مليارات درهم، أي نحو 18 في المائة.
وبذلك تستحوذ هذه المجالات الثلاثة وحدها على أكثر من نصف القيمة الإجمالية للنفقات الجبائية المسجلة خلال سنة 2024.
وبلغت النفقات الجبائية المرتبطة بالقطاع المالي حوالي 1.97 مليار درهم، مقابل 1.96 مليار للفلاحة والصيد البحري، و1.6 مليار لقطاع النقل، و826 مليون درهم للصناعات الغذائية.
لكن المعطى الأكثر إحراجاً بالنسبة إلى تدبير هذه المنظومة لا يتعلق فقط بحجم الأموال، بل بعمر التدابير التي تستهلك القسم الأكبر منها.
فقد سجل المجلس أن الإجراءات المعتمدة قبل سنة 2020 تمثل حوالي 89 في المائة من عدد التدابير الاستثنائية القائمة، وتستحوذ وحدها على نحو 97 في المائة من القيمة الإجمالية للنفقات الجبائية المسجلة خلال سنة 2024.
وبالأرقام، وصلت كلفة التدابير المرتبطة بقوانين مالية سابقة لسنة 2020 إلى نحو 30.64 مليار درهم من أصل 31.49 ملياراً، مقابل 388 مليون درهم فقط للإجراءات التي أقرها قانون المالية لسنة 2024.
ويجعل هذا المعطى السؤال موجهاً مباشرة إلى الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية: ما الذي يبرر استمرار تدابير جبائية قديمة تستحوذ على شبه كامل الكلفة، وهل تخضع هذه الامتيازات دورياً لتقييم يثبت أن الظروف والأهداف التي أُحدثت من أجلها ما زالت قائمة؟
فتقادم التدبير لا يعني في حد ذاته أنه غير مفيد، كما أن ارتفاع كلفته لا يثبت أنه غير مبرر، غير أن استمرار التخلي عن موارد عمومية بمليارات الدراهم يفرض، من منظور تدبير المال العام، توفر تقييم يسمح للحكومة بإثبات أن النتائج الاقتصادية والاجتماعية المتحققة تبرر الكلفة.
وتشير المعطيات التي عرضها المجلس إلى أن النفقات الجبائية تستهدف مجموعة من الغايات، من بينها دعم القدرة الشرائية وتعبئة الادخار الداخلي وتشجيع امتلاك السكن وخفض تكلفة عوامل الإنتاج وتشجيع الاستثمار والنهوض بالقطاع الفلاحي، إضافة إلى أهداف اقتصادية واجتماعية أخرى.
ولا يخلص المجلس إلى أن 31.5 مليار درهم من النفقات الجبائية تشكل هدراً، كما لا يدعو إلى إلغاء الإعفاءات بصورة شاملة، لكنه يوصي بمواصلة تقييم هذه النفقات بصورة منتظمة، والنظر في مدى جدوى الاستمرار في بعضها في ضوء فعاليتها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية.
وتكتسي هذه التوصية وزناً خاصاً عندما توضع إلى جانب حقيقة أن جزءاً كبيراً من المنظومة يعود إلى سنوات سابقة، وأن عشرات التدابير لم تدخل عملية تقييم الكلفة خلال 2024.
فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم ما تتنازل عنه الدولة من ضرائب، بل بكيفية اتخاذ القرار بشأن استمرار هذا التنازل سنة بعد أخرى، وبمدى توفر الحكومة على معطيات تسمح بالمقارنة بين كلفة الامتياز الجبائي والنتيجة التي يحققها فعلياً.
وهنا يتحول رقم 31.5 مليار درهم من مجرد بند تقني في وثائق المالية العمومية إلى سؤال في صلب السياسة الحكومية: هل تستطيع وزارة الاقتصاد والمالية إثبات أن كل درهم تتخلى عنه الدولة في شكل إعفاء أو تخفيض ضريبي يحقق مردودية اقتصادية أو اجتماعية تبرر استمراره؟
ومع استحواذ تدابير أُقرت قبل سنة 2020 على حوالي 97 في المائة من الكلفة الإجمالية، وبقاء 39 تدبيراً خارج عملية تقييم الكلفة، تصبح توصية المجلس بمراجعة جدوى بعض النفقات الجبائية أكثر من مجرد ملاحظة تقنية، لأنها تضع الحكومة أمام مسؤولية إظهار ما تحققه هذه الامتيازات فعلياً، وأي منها لا يزال يؤدي الوظيفة التي أُحدث من أجلها، وأي منها يحتاج بعد سنوات من التطبيق إلى إعادة تقييم.
