بقلم: الباز عبدالإله
تقترب الولاية الحكومية الحالية من نهايتها، ويقترب معها أعضاء حكومة عزيز أخنوش من محطة رقابية جديدة أمام المجلس الأعلى للحسابات، إذ يفرض القانون على كل عضو تنتهي مهامه الحكومية تقديم تصريح جديد وشامل بممتلكاته ومداخيله، داخل أجل لا يتجاوز 90 يوماً من تاريخ مغادرته المنصب.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة بعدما خضع أعضاء الحكومة خلال سنة 2025 لتجديد التصريح بالممتلكات، قبل أن يصبح كل من تنتهي مهامه ملزماً بإيداع تصريح جديد مرتبط بنهاية المسؤولية الحكومية.
ويؤكد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 أن مراقبة احترام واجب التصريح بالممتلكات أظهرت امتثال أعضاء الحكومة والأشخاص المماثلين لهم، إلى نهاية أكتوبر 2025، للالتزامات المتعلقة بتجديد التصريحات والتصريح المرتبط ببداية أو نهاية المهام.
ولا يتعلق الأمر بإجراء استثنائي مرتبط بنهاية ولاية حكومة أخنوش، بل بمسطرة قانونية قائمة تلزم عضو الحكومة بالتصريح بممتلكاته عند بداية مهمته، وتجديد التصريح كل ثلاث سنوات، ثم تقديم تصريح جديد داخل 90 يوماً من تاريخ انتهاء مهامه لأي سبب غير الوفاة.
وينص القانون على أن التصريح الدوري يتضمن، عند الاقتضاء، التغيرات التي طرأت على نشاطات المسؤول ومداخيله وممتلكاته، ما يجعل تطور الوضعية المالية خلال سنوات تحمل المسؤولية قابلاً للدراسة والتتبع داخل منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات.
ولا يقتصر التصريح على العقارات، بل يشمل الأموال المنقولة والأصول التجارية والودائع في الحسابات البنكية والسندات والحصص والأسهم في الشركات والقيم المنقولة والعربات والاقتراضات والتحف الفنية والأثرية والحلي والمجوهرات، فضلاً عن الممتلكات المشتركة مع الغير وتلك التي يتولى المسؤول تدبيرها لحسابهم.
ولا تقف صلاحيات المجلس عند مجرد تلقي التصريح، إذ يمنح القانون الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات صلاحية تعيين مستشار مقرر لدراسة تصريح عضو الحكومة وتتبعِه.
ويلزم النص المستشار المقرر بإعداد تقريره داخل أجل 60 يوماً من تاريخ عرض القضية عليه، قبل إطلاع المعني بالأمر عليه ومنحه بدوره أجلاً يصل إلى 60 يوماً للرد على الملاحظات المسجلة بشأن تصريحه.
وإذا تبين من تقرير المستشار المقرر وجود أفعال تشكل مخالفات للقانون الجنائي، يحيل الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات ملف القضية على القضاء، كما يمكن للرئيس الأول للمجلس، عند الاقتضاء، مطالبة المسؤول بالتصريح بممتلكات ومداخيل زوجه.
أما عدم تقديم التصريح المرتبط بانتهاء المهام، فتحيط به بدوره مسطرة قانونية، إذ يتم إشعار المعني بالأمر بضرورة تسوية وضعيته داخل أجل 30 يوماً من تاريخ توصله بالإشعار، تحت طائلة إحالة ملفه على الجهة القضائية المختصة للبحث فيه.
وتكشف أرقام المجلس عن حجم منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، إذ بلغ عدد الأشخاص الخاضعين لهذا الواجب 154 ألفاً و931 شخصاً إلى غاية 31 أكتوبر 2025، بينما توصلت المحاكم المالية بين فاتح يناير 2024 ونهاية أكتوبر 2025 بما مجموعه 104 آلاف و868 تصريحاً، منها 11 ألفاً و876 تصريحاً أودعت لدى المجلس الأعلى للحسابات.
غير أن المفارقة تكمن في اعتراف المجلس نفسه بأن النظام الحالي للتصريح بالممتلكات لا يزال يعاني نقائص قانونية ومؤسساتية، من بينها عدم الإحاطة بجميع عناصر الثروة بشكل شامل، بما لا يسمح، بالدرجة المطلوبة من اليقين، بالتأكد من مدى انسجام تطور موارد المصرحين مع تطور ممتلكاتهم.
وسبق للرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات أن وجه، في 5 يونيو 2024، مذكرة إلى الوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بشأن تطوير الإطار القانوني المنظم للتصريح الإجباري بالممتلكات، داعياً إلى إقرار نظام قانوني موحد وشامل يعزز دور هذه الآلية في الوقاية من الفساد ومكافحته.
وبذلك لن تكون مغادرة وزراء حكومة أخنوش لمكاتبهم نهاية علاقتهم بمنظومة التصريح بالممتلكات، بل ستفتح أمام كل وزير محطة قانونية جديدة، تبدأ بإيداع تصريح عند انتهاء المهمة، وتتيح للمجلس دراسته وتتبعِه، مع إمكانية وصول الملف إلى القضاء إذا أظهرت المسطرة أفعالاً يعاقب عليها القانون.
وبعد قرابة خمس سنوات من تدبير الشأن الحكومي، يفرض القانون سؤالاً سياسياً ورقابياً واضحاً: ماذا تغير في ممتلكات الوزراء ومداخيلهم خلال سنوات المسؤولية، وهل تملك المنظومة الحالية الأدوات الكافية لقياس هذا التغير بالدقة المطلوبة؟
