بقلم: الباز عبدالإله
يرفع محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، سقف خطابه قبل انتخابات 2026، متحدثاً عن الحاجة إلى «حكومة مختلفة تماماً»، وعن القطيعة مع تضارب المصالح والإثراء غير المشروع واستغلال الصفقات العمومية ومواقع النفوذ والاحتكار، ومهاجماً حصيلة الحكومة الحالية في التشغيل والقدرة الشرائية والغلاء وتوزيع الثروة.
لكن أمام هذا الخطاب، يفرض المسار السياسي للرجل سؤالاً لا يتعلق بحقه في انتقاد حكومة عزيز أخنوش، وإنما بحقه أيضاً في أن يخضع للمقياس نفسه الذي يضعه اليوم أمام خصومه: ماذا تقول حصيلة بنعبد الله نفسه عندما كان في قلب السلطة التنفيذية لنحو 11 سنة؟
فالأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ليس معارضاً قضى مساره خارج الحكومة، بل شغل منصب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة من نونبر 2002 إلى أكتوبر 2007، ثم عاد إلى الجهاز التنفيذي في يناير 2012 وزيراً للسكنى والتعمير وسياسة المدينة، واستمر في القطاع خلال حكومة عبد الإله بنكيران الثانية، قبل أن يعاد تعيينه في أبريل 2017 وزيراً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة سعد الدين العثماني، لتنتهي مهامه يوم 24 أكتوبر من السنة نفسها.
وباحتساب الفترتين، يتعلق الأمر بمسار وزاري يقترب من 11 سنة، وهي مدة تجعل مساءلة حصيلته جزءاً مشروعاً من النقاش كلما انتقد أداء الحكومات الأخرى أو قدم نفسه باعتباره حاملاً لبديل حكومي جديد.
وخلال وجوده على رأس وزارة الاتصال، مر واحد من أبرز التحولات التي عرفها المشهد السمعي البصري المغربي، إذ صدر سنة 2005 القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، وهو النص الذي وضع إطاراً قانونياً لتنظيم القطاع وتحريره.
غير أن الإنصاف في قراءة الحصيلة يقتضي تسجيل أن مسار التحرير لم يبدأ مع تعيين بنعبد الله وزيراً في نونبر 2002، فقد أنشئت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في 31 غشت 2002، وصدر المرسوم بقانون الذي أنهى احتكار الدولة للبث الإذاعي والتلفزيوني في 10 شتنبر من السنة نفسها، أي قبل دخوله الحكومة. أما القانون 77.03 فقد صدر أثناء توليه الوزارة، ما يجعل فترته جزءاً مهماً من تنزيل الإصلاح، دون أن تكون نقطة انطلاقه الوحيدة.
وإذا كانت هذه المرحلة تحمل إصلاحاً يحسب ضمن تجربته الحكومية، فإن الاختبار الأكثر ثقلاً سيأتي لاحقاً عندما انتقل إلى قطاع السكنى، حيث أمضى الجزء الأكبر من فترته الحكومية الثانية.
وكان بنعبد الله يقدم حصيلته في السكن بأرقام يعتبرها إيجابية، إذ أعلن سنة 2017 أن وزارته تمكنت بين 2012 ونهاية 2016 من خفض العجز السكني من نحو 800 ألف إلى 400 ألف وحدة، وتعهد حينها بخفض الرقم المتبقي إلى النصف خلال الولاية الحكومية الجديدة.
هذه الأرقام جزء من حصيلته ويجب وضعها في الميزان، لكن الميزان نفسه يحمل تقريراً رسمياً للمجلس الأعلى للحسابات يقدم صورة أكثر تعقيداً عن فعالية سياسة السكن الاجتماعي خلال الفترة التي كان فيها بنعبد الله مسؤولاً عن القطاع.
فقد سجل المجلس أنه إلى نهاية دجنبر 2016 لم يتجاوز إنتاج السكن منخفض التكلفة المحدد في 140 ألف درهم 21 ألفاً و6 وحدات، لم يوجه منها إلى برنامج «مدن بدون صفيح» سوى 6020 وحدة، بينما خصصت 1113 وحدة فقط للسكن المهدد بالانهيار، كما سجل أن إنجازات هذا الصنف ظلت في حدود 17 في المائة من الأهداف المنتظرة.
وسجل المجلس أيضاً اختلالاً بين الحاجيات الفعلية واتجاه التحفيز العمومي، إذ بلغت النفقات الجبائية المرتبطة بالسكن الاجتماعي من فئة 250 ألف درهم نحو 14.9 مليار درهم إلى نهاية يونيو 2015، مقابل نحو 574.8 مليون درهم فقط لفئة 140 ألف درهم، رغم أن دراسة السكن لسنة 2012 أظهرت أن جزءاً مهماً من الحاجيات يتركز في هذه الفئة الأخيرة.
صحيح أن برنامجي 140 ألف و250 ألف درهم أطلقا في 2008 و2010، أي قبل وصول بنعبد الله إلى الوزارة، ولذلك سيكون من غير الدقيق تحميله مسؤولية تصميمهما من الأصل. لكن الرجل أدار القطاع من بداية 2012 إلى أكتوبر 2017، والتقرير يرصد نتائج وصلت إلى نهاية 2016، أي بعد قرابة خمس سنوات من وجوده على رأس الوزارة، وهو ما يجعل السؤال عن قدرة وزارته على تصحيح اختلالات الاستهداف والتوجيه خلال تلك المدة سؤالاً مشروعاً في تقييم الحصيلة.
غير أن أثقل صفحة في السجل الحكومي لبنعبد الله تظل مرتبطة ببرنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، وهي الصفحة التي انتهت بخروجه من الحكومة.
ففي تقييم تنفيذ البرنامج، سجل المجلس الأعلى للحسابات بخصوص وزارة السكنى وسياسة المدينة أن الاتفاقية الخاصة التي وقعتها الوزارة مع وكالة تنمية أقاليم الشمال لم تحصل على التأشير إلا في غشت 2016، وأن ما تم الإفراج عنه لم يتجاوز 50 مليون درهم من أصل 220 مليون درهم كانت مقررة للفترة 2016-2017.
كما طالب المجلس الوزارة بتسريع الدراسات الضرورية للانطلاق في مشروع تقوية وتثبيت الأراضي بحي بوجيبار، وبمزيد من التعبئة إلى جانب وكالة الشمال من أجل التتبع عن قرب للمشاريع الداخلة ضمن اختصاصاتها.
وفي 24 أكتوبر 2017 انتهت مهام بنعبد الله الوزارية بقرار إعفاء في أعقاب التقارير المنجزة بشأن برنامج «الحسيمة منارة المتوسط».
والبلاغ الصادر آنذاك ربط الإجراءات المتخذة بتحديد المسؤوليات ومراعاة «درجة التقصير في ممارسة المسؤولية»، وأدرج بنعبد الله بالاسم بصفته وزير السكنى وسياسة المدينة في الحكومة السابقة ضمن المسؤولين الذين أنهيت مهامهم.
غير أن وضع هذه الواقعة في سياقها الكامل يقتضي بدوره توضيح نقطة أساسية: بنعبد الله لم يُعف بسبب ثبوت فساد مالي أو اختلاس، إذ أكدت المعطيات الرسمية المرتبطة بالتحقيق أن الفحص لم يثبت وجود اختلاسات أو تحويل للأموال، وإنما سجل اختلالات وتأخراً في تنفيذ مشاريع وعدم احترام عدد من الالتزامات وعدم كفاية بعض التبريرات المتعلقة بالتأخر.
وبالتالي، فإن ملف «منارة المتوسط» لا يشكل أساساً لاتهام بنعبد الله بالفساد، لكنه يشكل أساساً مشروعاً لمساءلته سياسياً عن النجاعة وتحمل المسؤولية وتنفيذ الالتزامات، خصوصاً عندما تصبح فعالية العمل الحكومي وربط المسؤولية بالمحاسبة جزءاً من خطابه الحالي.
ولبنعبد الله، من جهته، روايته بشأن تلك المرحلة، إذ عاد بعد إعفائه لينتقد الطريقة التي تمت بها قراءة تقارير المجلس الأعلى للحسابات، معتبراً أنها ليست معصومة من الخطأ، وقال إن لوزارته روايتها الخاصة في ملف «منارة المتوسط»، مؤكداً أن المشاريع التي كانت تدخل ضمن مسؤوليتها في عدد من الجماعات أُنجزت، بحسب موقفه، قبل الآجال المحددة لها، ومتسائلاً عن أسباب إعفائه.
وهذه الرواية ينبغي تسجيلها، لكنها لا تلغي أن التقرير الرسمي سجل بخصوص وزارته تأخر التأشير على الاتفاقية الخاصة، وأن ما تم الإفراج عنه بلغ 50 مليون درهم فقط من أصل 220 مليوناً مقررة، كما أن القرار الذي أنهى تجربته الوزارية جاء بعد تقارير رسمية حملت عدداً من القطاعات مسؤولية اختلالات وتأخر في تنفيذ البرنامج.
أما أكثر ما يستحق التوقف عنده في خطاب بنعبد الله الحالي فهو حديثه عن اعتماد إطار قانوني يضع حداً لتضارب المصالح والإثراء غير المشروع إذا تمكن حزبه من المشاركة في الحكومة المقبلة.
ذلك أن الملف ليس جديداً على الرجل ولا على حزبه.
ففي يونيو 2016، بينما كان بنعبد الله نفسه وزيراً وكان حزب التقدم والاشتراكية جزءاً من الأغلبية الحكومية، أعلن المكتب السياسي للحزب أنه ناقش مقتضيات مشروع القانون الجنائي المتعلقة بالتصدي للإثراء غير المشروع، وأكد حرصه على توفير الآليات القانونية لحماية المال العام ومحاربة الريع والفساد، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
بمعنى أن المبدأ الذي يعرضه بنعبد الله اليوم على الناخبين كان حزبه يدافع عنه رسمياً قبل عشر سنوات وهو مشارك في الحكومة.
وهنا يصبح السؤال أكثر ثقلاً من مجرد سجال انتخابي: إذا كان حزب التقدم والاشتراكية يعتبر منذ 2016 أن المغرب يحتاج إلى آليات فعالة للتصدي للإثراء غير المشروع، فما الذي سيقدمه في 2026 بصورة مختلفة؟ وما هي الصيغة القانونية والسياسية التي تجعل وعد اليوم يتجاوز موقفاً كان معلناً منذ عقد؟
ولا يعني ذلك أن وزيراً واحداً كان يستطيع بمفرده تمرير القانون الجنائي أو حسم ملف تشريعي تتداخل فيه الحكومة والبرلمان والأغلبية، كما لا يصح تحميل بنعبد الله شخصياً مسؤولية تعثر نص بكامله، لكنه يعني أن إعادة طرح الملف اليوم تستوجب تفسيراً واضحاً لما تغير، وما الذي سيجعل الالتزام الجديد قابلاً للتحقق هذه المرة.
ومن حق محمد نبيل بنعبد الله أن ينتقد حكومة عزيز أخنوش، ومن حق حزبه أن يعتبر أن البطالة والغلاء وتراجع القدرة الشرائية تستوجب تغييراً في السياسات، كما من حقه أن يطمح إلى العودة إلى الحكومة.
لكن المعارضة لا تمحو السجل الحكومي، مثلما أن المشاركة السابقة لا تمنع صاحبها من مراجعة اختياراته أو تقديم تصور جديد.
وحين يتحدث سياسي قضى نحو 11 سنة في المسؤولية الوزارية عن «حكومة مختلفة تماماً»، يصبح السؤال الطبيعي: مختلفة عن ماذا تحديداً؟ هل فقط عن حكومة أخنوش، أم أيضاً عن الاختلالات التي عرفتها تجارب حكومية كان هو نفسه جزءاً منها؟
وحين يتحدث عن القطيعة مع تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، يصبح مشروعاً أن يُسأل لماذا ظل الملف مطروحاً منذ الفترة التي كان فيها حزبه شريكاً في الأغلبية الحكومية.
وحين ينتقد النجاعة الحكومية، يصبح من المشروع وضع رقم 50 مليون درهم من أصل 220 مليوناً في ملف «منارة المتوسط» أمام حصيلته.
وحين يتحدث عن السياسات الاجتماعية، يصبح من المشروع وضع تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن السكن الاجتماعي على الطاولة، إلى جانب الأرقام الإيجابية التي كان يقدمها بنفسه عن خفض العجز السكني.
فالمحاسبة السياسية لا يمكن أن تشتغل بنصف ذاكرة، وسنوات المعارضة الأخيرة لا تمحو نحو 11 سنة قضاها بنعبد الله في قلب الحكومة.
وإذا كان يريد اليوم دخول «تجربة حكومية مختلفة تماماً»، فإن الاختبار قبل الانتخابات ليس فقط أن يشرح للمغاربة ما الذي فشلت فيه حكومة أخنوش، بل أن يشرح أيضاً ما الذي سيفعله هذه المرة بشكل مختلف عما فعله هو نفسه عندما كانت مفاتيح الوزارة بين يديه.
