بقلم: الباز عبدالإله
يبدو أن ملف الدعم الحكومي الموجه إلى قطاع المواشي لا يريد أن يغادر دائرة الغموض. فبعد أشهر من الجدل، وارتفاع الأسعار، وغضب المواطنين، وعودة سؤال المستفيدين الحقيقيين من المال العمومي، يكشف تعثر تشكيل لجنة تقصي الحقائق أن المشكل لم يعد مرتبطاً بالدعم وحده، بل بالإرادة السياسية لكشف حقيقة هذا الدعم.
بحسب ما أوردته جريدة “مدار21”، لم تتوصل فرق الأغلبية والمعارضة بعد إلى تحديد موعد لاجتماع رؤسائها من أجل حسم هيكلة لجنة تقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه إلى قطاع المواشي.
أما السبب المعلن، كما نقلت الجريدة عن مصادر برلمانية، فيرتبط بوجود “عراقيل تقنية” حالت دون الاتفاق على موعد مناسب لجميع الأطراف.
غير أن المغاربة، الذين عاشوا غلاء الأضاحي، وسمعوا طيلة الشهور الماضية وعوداً كثيرة حول الشفافية والمحاسبة، يصعب أن يقتنعوا بأن ملفاً بهذا الحجم يمكن أن يتعطل فقط بسبب صعوبة في ضبط أجندات رؤساء الفرق البرلمانية.
فحين يتعلق الأمر بالتصريحات، يجد الجميع الوقت.
وحين يتعلق الأمر بالبلاغات، تتحرك الآلات الحزبية بسرعة.
أما حين يصل النقاش إلى التوقيعات واللجان والوثائق والمسؤوليات، فإن “العراقيل التقنية” تظهر فجأة كأنها قدر سياسي لا يمكن تجاوزه.
هنا تكمن المفارقة. الجميع تقريباً يقول إنه مع الحقيقة، لكن الحقيقة نفسها لم تجد بعد من يفتح لها الباب داخل المؤسسة التشريعية.
الجميع يتحدث باسم المواطن، لكن المواطن لا يرى، إلى حدود الساعة، سوى اجتماعات مؤجلة، وتبريرات باردة، وتوافقات معلقة، وزمن برلماني يذوب بسرعة قبل اختتام الأشغال.
الأخطر في المعطيات التي كشفتها “مدار21” ليس فقط احتمال تأخر الاجتماع، بل الإقرار الضمني بأن الضغط الزمني أصبح عاملاً حاسماً. فالبرلمان يقترب من نهاية أشغاله، والوقت المتبقي لا يسمح عملياً بتشكيل لجنة قوية، تجمع المعطيات، وتستدعي المسؤولين، وتفحص الوثائق، وتنجز تقريراً جدياً قادراً على الإجابة عن السؤال الذي يطرحه المواطن ببساطة: أين ذهب الدعم، ومن استفاد منه، ولماذا بقيت الأسعار مرتفعة رغم كل ما قيل؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى خطابات تقنية كثيرة. الدعم وُجه إلى قطاع حساس، مرتبط بجيب المواطن وبالأمن الغذائي وبمعيش الأسر.
ومع ذلك، لم يشعر المواطن العادي بأن ذلك الدعم انعكس عليه بالشكل المنتظر. في المقابل، بقيت الأسعار ملتهبة، وبقيت الأضاحي بعيدة عن قدرة فئات واسعة، وبقي الإحساس العام بأن هناك حلقة مفقودة بين المال العمومي والنتيجة الاجتماعية.
لذلك، لا تبدو لجنة تقصي الحقائق ترفاً سياسياً ولا مناورة حزبية عادية. هي آلية مفترضة لقطع الطريق على الغموض، وفرصة لإعادة الحد الأدنى من الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
لكن طريقة تدبيرها الحالية توحي بأن المطلوب ليس الوصول إلى الحقيقة، بل امتصاص الغضب إلى أن يمر الوقت، وينتهي النقاش، وتدفن القضية في رفوف الذاكرة البرلمانية.
والمثير أن المقال يشير أيضاً إلى أن بعض الفرق لم تجمع بعد توقيعات نوابها على طلب تشكيل اللجنة.
وهذه النقطة وحدها كافية لطرح سؤال الجدية. فمن يعلن أمام الرأي العام دعمه لتقصي الحقائق، ثم لا ينجح في جمع توقيعات فريقه، يضع نفسه أمام تناقض سياسي واضح.
فالشفافية لا تُقاس بالتصريحات، بل بالإجراءات، والمحاسبة لا تبدأ من المنابر، بل من الوثائق والمساطر والتوقيعات.
لقد سبق لمجلس النواب أن فشل في تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول دعم المواشي السنة الماضية، بعدما رفضت فرق الأغلبية الانخراط في المبادرة، وتم الدفع نحو مهمة استطلاعية انتهت بدورها إلى الفشل بعد انسحاب المعارضة منها.
واليوم، يعود السيناريو نفسه تقريباً بلباس جديد: إجماع واسع في الكلام، وبطء شديد في الفعل، وخطر واضح بأن تموت اللجنة قبل أن تولد.
وإذا صح أن الموضوع بات محكوماً بحسابات سياسية وانتخابية، كما قالت مصادر الجريدة، فإن ذلك يزيد الملف خطورة.
لأن تحويل معاناة المواطنين مع الغلاء إلى مادة للمزايدات الانتخابية يعني أن المال العمومي يصبح ورقة في السوق السياسي، لا موضوعاً للمساءلة.
ويعني أن المواطن الذي دفع الثمن في السوق، سيدفع مرة أخرى ثمن التلاعب بالزمن والحقيقة داخل البرلمان.
المغاربة لا يحتاجون إلى مسرحية جديدة حول دعم المواشي. يحتاجون إلى جواب واضح: كم صُرف؟ لمن صُرف؟ بأي شروط؟ ما أثره الحقيقي؟ لماذا لم تنخفض الأسعار بما يناسب حجم التدخل الحكومي؟ ومن يتحمل مسؤولية الفشل، إن ثبت الفشل؟
أما أن يخرج الجميع ليعلن مساندته للجنة، ثم تضيع اللجنة بين الاجتماعات المؤجلة، والتوقيعات غير المكتملة، والحسابات الحزبية، فذلك لا يسيء فقط إلى صورة البرلمان، بل يضرب فكرة الرقابة من أصلها.
فالبرلمان الذي لا يستطيع أن يحقق في ملف شغل المغاربة وأثقل جيوبهم، سيجد صعوبة في إقناعهم بأنه يراقب الحكومة فعلاً.
قد لا تكون “العراقيل التقنية” سوى الاسم المهذب لأزمة أكبر: أزمة إرادة.
فحين تكون الحقيقة مرغوبة، تُصنع لها المسالك. وحين تكون مزعجة، تُترك في قاعة الانتظار حتى يموت الوقت.
وملف دعم المواشي، بكل ما حمله من غضب وأسئلة، يكشف اليوم أن المشكل لم يكن فقط في غلاء الأضاحي، بل في تراجع قيمة الحقيقة داخل لعبة سياسية تعرف جيداً كيف ترفع الشعارات، لكنها تتردد كثيراً حين يقترب موعد الحساب.
وإلى أن تتشكل اللجنة فعلاً، وتبدأ عملها فعلاً، وتكشف الأرقام واللوائح والمسؤوليات فعلاً، سيبقى السؤال معلقاً فوق البرلمان والحكومة معاً: هل يريدون تقصي الحقيقة، أم فقط تقصي طريق للهروب منها؟
