بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تقرير أولي صادر عن الفريق العلمي الدولي المستقل حول الذكاء الاصطناعي، التابع للأمم المتحدة، النقاش العالمي حول هذه التكنولوجيا إلى سؤال يتجاوز الانبهار بالابتكار: كيف يمكن للدول الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون التفريط في القدرة على الضبط، وحماية المعطيات، وصيانة القرار السيادي؟
التقرير، الذي قُدمت خلاصاته الأولية اليوم 1 يوليوز 2026، قبل عرضه على الحكومات خلال الحوار العالمي حول حكامة الذكاء الاصطناعي في جنيف يومي 6 و7 يوليوز، لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية، بل باعتباره تحولاً سريعاً يعيد تشكيل الاقتصاد، والإدارة، والبحث العلمي، وسوق الشغل، وأنماط اتخاذ القرار.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، فإن قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة أسرع من قدرة السياسات العمومية والأطر القانونية على المواكبة.
ونقلت الوكالة عن يوشوا بنجيو، الرئيس المشارك للفريق الأممي، تحذيره من أن العلم لا يستطيع، في هذه المرحلة، ضمان أن الأنظمة الأكثر تقدماً لن تتسبب في أضرار جسيمة، سواء بسبب أخطاء ذاتية أو نتيجة سوء الاستخدام.
خطورة التقرير لا تكمن فقط في لهجة التحذير، بل في طبيعة التحول الذي يصفه.
فهو يتحدث عن صعود أنظمة أكثر استقلالية، قادرة على تنفيذ مهام معقدة في العالم الواقعي، مع الإشارة إلى أن مستوى تعقيد المهام التي تستطيع هذه الأنظمة إنجازها يتضاعف تقريباً كل أربعة إلى سبعة أشهر.
وهذا يعني أن العالم لا يواجه برنامجاً رقمياً عادياً يتحسن تدريجياً، بل تكنولوجيا تتقدم بسرعة قد تجعل المؤسسات والقوانين متأخرة عن الوقائع.
هذه الخلاصات تهم المغرب بشكل مباشر. فالمملكة لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضوع تقني هامشي، بل جعلته جزءاً من رهان اقتصادي ورقمي أوسع، يرتبط بتحديث الإدارة، وتطوير الصناعة، وتوسيع استعمال البيانات، وتعزيز موقع البلاد في الاقتصاد الرقمي الإقليمي.
وكانت رويترز قد نقلت، في يناير 2026، أن المغرب يستهدف رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج الداخلي الخام بنحو 100 مليار درهم في أفق سنة 2030، مع خلق 50 ألف منصب شغل، وتكوين 200 ألف خريج في مهارات مرتبطة بهذا المجال. وهي أرقام تعكس طموحاً اقتصادياً واضحاً، لكنها تفتح في المقابل سؤالاً أكبر: بأي قواعد سيدخل المغرب هذا التحول؟
فالرهان لم يعد مقتصراً على الاستثمار، أو عدد مناصب الشغل، أو حجم المساهمة المحتملة في الناتج الداخلي الخام.
الرهان الحقيقي يتعلق بمن يملك المعطيات، ومن يعالجها، وأين تُخزن، وتحت أي قانون، وبأي رقابة.
كما يتعلق بمدى شفافية الخوارزميات حين تصبح جزءاً من الإدارة، والخدمات العمومية، والقرارات الاقتصادية والاجتماعية.
ينبه التقرير الأممي إلى أن حكامة الذكاء الاصطناعي ما تزال مجزأة، وأن دولاً كثيرة لا تتوفر بعد على القدرات العلمية والمؤسساتية الكافية لتقييم الأنظمة المتقدمة أو التأثير في مسار تطورها.
وهذه الملاحظة تحمل دلالة خاصة بالنسبة للدول الصاعدة رقمياً، التي تسعى إلى استعمال الذكاء الاصطناعي بسرعة، لكنها ما تزال في طور بناء التشريعات، والخبرة المستقلة، وآليات الرقابة.
لا يتعلق الأمر بتقديم الذكاء الاصطناعي كخطر مطلق، ولا برفض الإمكانات التي يتيحها في الصحة، والتعليم، والصناعة، والبحث العلمي.
غير أن حجم هذه الإمكانات هو بالضبط ما يجعل سؤال الحكامة أكثر إلحاحاً.
فكلما توسعت قدرة التكنولوجيا على الإنتاج والتوجيه والتأثير، أصبحت الحاجة أكبر إلى قواعد شفافة تضمن المسؤولية والمساءلة.
بالنسبة إلى المغرب، لا تعني السيادة الرقمية فقط امتلاك مراكز بيانات أو توسيع البنيات السحابية، بل تعني أيضاً ألا يتحول المواطن إلى موضوع لقرارات رقمية لا يعرف كيف اتخذت، ولا من صمم أدواتها، ولا من يتحمل مسؤولية نتائجها.
من هذه الزاوية، يضع التقرير الأممي المغرب أمام امتحان مزدوج. الأول اقتصادي، ويتعلق بمدى القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة للنمو والإنتاج وفرص الشغل.
أما الثاني، وهو الأعمق، فيتعلق بمدى القدرة على بناء حكامة رقمية تجعل التكنولوجيا في خدمة المجتمع، لا خارج رقابته.
السؤال المغربي، بعد هذا التقرير، لم يعد هل سيدخل المغرب عصر الذكاء الاصطناعي، بل كيف سيدخله: كفاعل يبني قواعده ويحمي معطياته، أم كسوق مفتوحة تتحكم فيها الشركات الكبرى، والبنيات السحابية الأجنبية، والخوارزميات التي لا تُصنع محلياً ولا تخضع دائماً لرقابة وطنية كافية؟
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد السيادة تقاس فقط بالحدود والجغرافيا، بل أيضاً بمن يملك المعطيات، ومن يبني الخوارزميات، ومن يراقب استعمالها، ومن يضمن ألا تتحول التكنولوجيا من أداة للتقدم إلى مجال جديد لفقدان السيطرة.
