بقلم: الباز عبدالإله
أعاد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، خلال جلسة المساءلة الشهرية بمجلس المستشارين، ملف اللحوم الحمراء إلى صدارة النقاش العمومي، بعدما دافع عن اختيارات حكومته في تدبير القطاع الفلاحي وضمان تموين الأسواق، مؤكداً أن القرارات المتخذة استندت إلى “منطق المسؤولية” وإلى المعطيات الواقعية، بعيداً عن منطق المزايدات السياسية.
وأوضح أخنوش أن الحكومة تعمل على تحقيق توازن بين حماية القطيع الوطني، ومواكبة الفلاحين والكسابة، وضمان انتظام تموين الأسواق، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
وربط استمرار الضغط على أسعار اللحوم بتداعيات سبع سنوات متتالية من الجفاف، وما نتج عنها من تراجع في المراعي، وندرة في الموارد المائية، وارتفاع في كلفة الأعلاف، إلى جانب الزيادات المسجلة في أسعار اللحوم على المستوى الدولي.
وشدد رئيس الحكومة على أن إعادة تكوين القطيع الوطني لا يمكن أن تتم في ظرف وجيز، بالنظر إلى ما تتطلبه من وقت للتربية والتسمين، معتبراً أن تحسن الموسم الفلاحي الحالي وارتفاع نسبة ملء السدود لا يعنيان بالضرورة زوال الضغط على سوق اللحوم بشكل فوري.
وفي النقطة الأكثر إثارة للجدل، نفى أخنوش أن تكون الدولة قد قدمت دعماً مالياً مباشراً لمستوردي اللحوم، معتبراً أن الحديث عن “16 مليار درهم من الدعم” مجرد مغالطة و“كذب على المغاربة”.
وأكد أن تدخل الحكومة اقتصر على تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة على واردات اللحوم، في إطار إجراءات أقرها البرلمان بهدف تخفيف الأسعار وضمان انتظام التموين.
غير أن نفي الدعم المباشر لا ينهي النقاش حول كلفة هذه الإجراءات ونتائجها.
فتعليق الرسوم والضرائب يظل قراراً مالياً له أثر على موارد الخزينة، كما يفترض أن ينعكس على السعر النهائي الموجه للمستهلك.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل وصل أثر هذه الإعفاءات فعلاً إلى المواطن، أم أن جزءاً منه ظل عالقاً داخل حلقات الاستيراد والتوزيع والوساطة؟
كما لوّح رئيس الحكومة بإمكانية العودة إلى تعليق الرسوم الجمركية على واردات اللحوم إذا استمرت الأسعار في مستوياتها الحالية، مؤكداً أن الهدف هو إعادة التوازن إلى السوق دون الإضرار بالقطيع الوطني أو بمصالح الفلاحين.
غير أن أي عودة محتملة إلى هذه الآلية تقتضي، بالمقابل، شفافية أكبر في المعطيات المرتبطة بالكميات المستوردة، وطبيعة المستفيدين، وسعر دخول اللحوم إلى السوق، ومدى انعكاس ذلك على الثمن الذي يؤديه المستهلك.
فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بندرة القطيع أو بارتفاع كلفة الإنتاج، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بسؤال الحكامة والرقابة على سلسلة تمتد من الدعم والإعفاء، إلى الاستيراد والتوزيع، وصولاً إلى المستهلك.
وإذا كانت الحكومة تؤكد أنها لا تدعم المستوردين دعماً مباشراً، فإنها مطالبة في المقابل بتوضيح أثر الإجراءات التي اعتمدتها على الأسعار، حتى لا يتحول الفرق بين الدعم المباشر والإعفاء الضريبي إلى نقاش تقني لا يغير شيئاً في واقع السوق.
ملف اللحوم الحمراء لا يحتاج فقط إلى قرارات ظرفية لتخفيف الضغط على الأسعار، بل إلى وضوح أكبر في الأرقام، وشفافية في مسار الاستفادة، ورقابة صارمة على هوامش الربح. فالمواطن لا يعنيه كثيراً الاسم التقني للتدخل، بقدر ما يعنيه أن يلمس أثره في السوق، لا أن يظل حاضراً فقط في الخطاب الحكومي.
