بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال وعضو الحكومة، سعى خلال لقاء تواصلي حزبي بالرباط إلى تقديم موقف هادئ من الجدل المثار حول مشروع قانون مهنة المحاماة، مؤكداً أن النصوص التشريعية تظل قابلة للنقاش والتجويد كلما تعلق الأمر بتحقيق التوازن بين حماية الحقوق المهنية، وصون مصالح المواطنين، وضمان استمرارية المرافق والخدمات المرتبطة بحقوقهم.
غير أن هذا الكلام، في توقيته وسياقه، لا يخلو من حرج سياسي واضح.
فبركة لا يتحدث من مقاعد المعارضة، ولا من خارج دائرة القرار، بل من داخل حكومة وأغلبية برلمانية يُفترض أنها واكبت مسار النصوص قبل أن تتحول إلى مصدر غضب داخل جسم المحاماة. ولذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يحتاج مشروع قانون المحاماة إلى التجويد؟ بل: لماذا لم يحصل هذا التجويد قبل أن تنفجر الأزمة؟
هنا تكمن المفارقة فحين يصل نص قانوني حساس إلى مرحلة متقدمة من الجدل، ثم يخرج مسؤول حكومي للحديث عن النقاش والتوازن والإنصات، يصبح الأمر أقرب إلى محاولة لتخفيف الكلفة السياسية منه إلى مراجعة حقيقية في منهجية التشريع.
فالقوانين التي تمس مهنة المحاماة لا تُصاغ كأنها ملف قطاعي محدود، بل باعتبارها جزءاً من منظومة العدالة، وحقوق الدفاع، وحق المواطن في الولوج إلى قضاء عادل وفعال.
مشروع قانون مهنة المحاماة لم يضع وزارة العدل وحدها تحت الضغط، بل وضع الأغلبية الحكومية كاملة أمام سؤال المسؤولية. فالنصوص التي تثير هذا الحجم من الاحتجاج لا تسقط من فراغ، ولا تصل إلى البرلمان بلا مسار سياسي وتشريعي سابق.
ومن هنا يصبح حديث بركة عن “التجويد” محرجاً لحزبه قبل غيره، لأنه يكشف الفارق بين خطاب الإنصات حين يكون آمناً، وممارسة الإنصات حين تكون مكلفة داخل القرار.
فالإنصات، كما يقدمه حزب الاستقلال في خطابه السياسي، لا يمكن أن يكون مجرد عبارة تُستعمل بعد اتساع الجدل.
الإنصات الحقيقي يبدأ قبل إعداد النصوص، وقبل تصاعد الغضب، وقبل أن يجد المهنيون أنفسهم مضطرين إلى الاحتجاج دفاعاً عن موقعهم وحقوقهم وتصورهم لمرفق العدالة.
أما استدعاء قاموس التجويد بعد ضغط البدلات السوداء، فيفتح سؤالاً حرجاً: هل نحن أمام مراجعة مسؤولة، أم أمام تدبير متأخر للأزمة؟
وقد شدد بركة، وفق المعطيات نفسها، على أن حزب الاستقلال اختار أن يجعل الإنصات للمواطنين أساساً في صياغة برامجه ومواقفه، معتبراً أن المشروع السياسي للحزب ينبغي أن ينبع من الواقع ومن الحاجيات الحقيقية للمغاربة، لا من الشعارات أو الوعود الظرفية.
لكن اختبار هذا الخطاب لا يوجد داخل القاعات الحزبية، بل داخل القرارات والقوانين والسياسات التي تخرج باسم الأغلبية. فالأحزاب الحكومية لا تكفيها بلاغة القرب من المواطن، لأنها مطالبة بإثبات هذا القرب عندما تُطرح النصوص الحساسة، وعندما تتضرر الثقة، وعندما يتحول النقاش المهني إلى أزمة سياسية.
وفي عرضه لأولويات الحزب، تحدث بركة عن حماية الأسرة المغربية وصون منظومة القيم والهوية الوطنية، متوقفاً عند العزوف عن الزواج، وارتفاع نسب الطلاق، وتراجع معدل الخصوبة.
وهي قضايا حقيقية لا يمكن إنكارها، لكنها لا تُعالج بالخطاب القيمي وحده. فالأسرة لا تستقر بالشعارات، بل بالشغل، والسكن، والدخل، والقدرة الشرائية، والثقة في المستقبل.
وحين يتحدث بركة عن الأسرة، يبرز السؤال نفسه: هل تملك الحكومة، التي يشارك فيها حزبه، أجوبة عملية على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تضغط على الأسر؟ أم أن الخطاب السياسي يكتفي بوصف الظواهر دون الاقتراب من جذورها العميقة؟
وفي ملف السيادة الاقتصادية، دعا بركة إلى تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولة الوطنية، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وخلق فرص شغل مستدامة.
وهي عناوين كبرى تتكرر في خطابات الأحزاب، لكن المواطن لا يقيس السيادة الاقتصادية بحجم المفردات، بل بثمن القفة، واستقرار الشغل، وعدالة الفرص، وقدرة الدولة على ضبط الوسطاء والمضاربين.
أما اقتراح اعتماد آليات جهوية لتدبير توزيع المواد الأساسية، فقد يبدو مدخلاً عملياً، لكنه يظل ناقصاً إذا لم يُطرح معه سؤال من يتحكم فعلياً في مسالك التوزيع، ومن يستفيد من هوامش الأسعار، ولماذا تتحول القدرة الشرائية في كل مرة إلى ملف مفتوح على التشخيص أكثر مما هو مفتوح على الحسم.
وعند حديثه عن الشباب، ربط الأمين العام لحزب الاستقلال التمكين بالتشغيل والابتكار وريادة الأعمال والمشاركة في القرار. غير أن الشباب، الذي سمع كثيراً من الوعود، لا ينتظر دعوات جديدة للانخراط، بل ينتظر فتحاً حقيقياً لمواقع القرار، وفرصاً ملموسة في الشغل، وسياسات تعترف به كقوة اقتراح لا كرقم انتخابي موسمي.
كما توقف بركة عند الرقمنة والذكاء الاصطناعي، معتبراً أنهما من الرهانات الاستراتيجية للمستقبل.
غير أن الحديث عن المستقبل الرقمي لا يستقيم إذا بقي جزء واسع من الشباب خارج فرص التكوين الجيد، وخارج سوق شغل منصف، وخارج مؤسسات حزبية وسياسية تسمح بتجديد فعلي للنخب.
وفي محور العدالة المجالية وجودة الخدمات العمومية، شدد بركة على تحسين الصحة والتعليم والنقل والسكن وتقليص الفوارق بين المجالات.
لكن هذه العناوين، على أهميتها، لا تحتاج فقط إلى الالتزام بها في اللقاءات الحزبية، بل إلى مساءلة يومية داخل الحكومة.
فالعدالة المجالية لا تعني أن يسمع المواطن وعوداً جديدة، بل أن يجد طبيباً حين يمرض، ومدرسة حين يطلب التعليم، وطريقاً حين يحتاج التنقل، وإدارة لا تهدر كرامته.
أما حديثه عن الحكامة والنزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهو الأكثر حساسية.
فقد تحولت هذه المفاهيم إلى لازمة ثابتة في خطابات الأحزاب، بينما يظل المواطن ينتظر أثراً واضحاً في تدبير المال العام، ومحاربة تضارب المصالح، وكشف المستفيدين من الريع، وترتيب المسؤوليات عندما تفشل السياسات أو تنحرف عن أهدافها.
لذلك، لا يمكن فصل لقاء بركة عن لحظة سياسية أوسع. فحزب الاستقلال يريد أن يظهر كقوة إنصات وتوازن، لكنه يوجد في الوقت نفسه داخل حكومة تواجه انتقادات متزايدة حول منهجية تدبير عدد من الملفات.
ومن هنا، فإن قوة الخطاب لن تُقاس بما قيل في الرباط، بل بما سيتغير فعلاً في طريقة إنتاج القرار.
قانون المحاماة جعل هذا التناقض مكشوفاً فحين يغضب المحامون، وحين يتسع النقاش حول نص يمس حقوق الدفاع، وحين يخرج مسؤول حكومي للحديث عن التجويد، يصبح السؤال السياسي مباشراً: هل كان المطلوب انتظار غضب البدلات السوداء حتى تعترف الأغلبية بأن النصوص تحتاج إلى نقاش أعمق؟
بين التجويد ككلمة مطمئنة، والتجويد كمسؤولية سياسية، توجد مسافة كبيرة.
وهذه المسافة هي التي تضع نزار بركة وحزبه أمام الامتحان: إما أن يكون الحديث عن الإنصات بداية لمراجعة حقيقية في طريقة صناعة القوانين، أو أن يتحول إلى مجرد محاولة متأخرة لامتصاص غضب مهني كشف، مرة أخرى، أن بعض النصوص لا تُسمع جيداً إلا بعدما ترتفع حولها الأصوات.
وبذلك، يصبح السؤال الذي يلاحق حزب الاستقلال أكثر مباشرة: هل هو شريك في صناعة القرار فقط حين تمر النصوص، أم معارض لنتائجها حين ترتفع كلفتها السياسية؟
