بقلم: الباز عبدالإله
أعاد سؤال كتابي وجهه عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، ملف الأسر المتضررة من فيضانات إقليم سيدي قاسم إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما أثار معطيات تتعلق بما وصفه بإقصاء عدد من الأسر من الاستفادة من الدعم العمومي، رغم ما تقول إنها تكبدته من أضرار مست مساكنها وممتلكاتها ومصادر عيشها.
ولا يتعلق الأمر، في جوهره، بإصدار أحكام مسبقة على عمل الإدارة الترابية، أو التشكيك في المجهودات التي بذلتها السلطات لمواجهة آثار الفيضانات، بقدر ما يتعلق بسؤال الشفافية والإنصاف في تدبير لوائح المستفيدين، وضرورة فتح المجال أمام مراجعة الحالات التي تقول إنها تضررت فعلياً ولم تشملها لوائح الدعم.
فالكوارث الطبيعية، بحكم طبيعتها الاستثنائية، لا تختبر فقط قدرة الدولة على التدخل السريع، بل تختبر أيضاً قدرتها على تدبير مرحلة ما بعد الكارثة بعدالة ووضوح.
وأي غموض في مسار التعويض، أو نقص في التواصل مع المتضررين، قد يتحول إلى مصدر احتقان اجتماعي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأسر وجدت نفسها، حسب المعطيات التي أثارها السؤال البرلماني، أمام أضرار مادية ومعيشية صعبة بعد انحسار المياه.
السؤال المطروح اليوم لم يعد محصوراً في من استفاد ومن لم يستفد، بل في الكيفية التي حُددت بها الاستفادة.
هل اعتمدت لوائح الدعم على معاينات ميدانية دقيقة؟ هل أُتيحت للمتضررين إمكانية تقديم تظلماتهم؟ وهل جرى التحقق من الحالات التي تؤكد أنها تضررت فعلياً، لكنها لم تجد أسماءها ضمن المستفيدين؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة وجود خرق ثابت أو تمييز مؤكد، لكنها تكشف الحاجة إلى جواب مؤسساتي واضح.
فحين يشعر مواطن متضرر بأن وضعيته لم تُدرس بما يكفي، فإن المسؤولية الأولى للإدارة هي الإنصات، والتحقق، وتصحيح أي خطأ محتمل إن ثبت وجوده، بما يحفظ الثقة في برامج الدعم العمومي.
ومن هذا المنطلق، تبدو وزارة الداخلية، التي وُجه إليها السؤال الكتابي، مدعوة إلى تقديم توضيحات دقيقة حول المعايير المعتمدة في إحصاء المتضررين، وآليات المراقبة التي رافقت إعداد اللوائح، والمساطر المتاحة أمام الأسر التي تعتبر نفسها مقصية من الدعم.
كما أن مراجعة الملفات المتنازع بشأنها، إن وجدت، ستكون خطوة ضرورية لتبديد الشكوك وضمان الإنصاف.
إن الدعم العمومي الموجه لضحايا الكوارث الطبيعية لا ينبغي أن يُنظر إليه كمنحة عابرة، بل كآلية لحماية الكرامة الاجتماعية وترميم الحد الأدنى من الاستقرار.
ولذلك، فإن شفافية اللوائح لا تقل أهمية عن قيمة الدعم نفسه، لأن المواطن لا يطلب مبلغاً مالياً فقط، بل يطلب أن يُعامل على قدم المساواة مع باقي المتضررين.
فيضانات سيدي قاسم تطرح، مرة أخرى، سؤالاً أوسع حول حكامة تدبير آثار الكوارث: كيف نضمن وصول الدعم إلى مستحقيه؟ وكيف نمنع الأخطاء الإدارية المحتملة من التحول إلى إحساس بالحيف؟ وكيف نجعل من المراجعة والتظلم جزءاً طبيعياً من كل برنامج استعجالي؟
الجواب لا يحتاج إلى سجال سياسي بقدر ما يحتاج إلى شفافية إدارية.
فكلما كانت المعايير واضحة، واللوائح قابلة للمراجعة، والتظلمات مفتوحة أمام المواطنين، تراجعت الشكوك وتعززت الثقة.
أما ترك الأسر المتضررة أمام أسئلة بلا جواب، فذلك قد يضاعف أثر الكارثة، حتى وإن كانت الغاية المعلنة من برامج الدعم هي التخفيف من معاناة المنكوبين.
فالمياه قد تنحسر من الشوارع والبيوت، لكن آثارها تبقى عالقة حين يشعر المتضرر بأن اسمه غاب عن لائحة الإنصاف.
