بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد أرقام الاستثمار في المغرب تثير الانتباه بحجمها فقط، بل بما تفتحه من أسئلة حول التتبع، والشفافية، ومردودية التحفيزات العمومية.
فحين تصادق اللجنة الوطنية للاستثمارات، أمس الخميس 2 يوليوز 2026، على 29 مشروعاً بقيمة استثمارية تقارب 42 مليار درهم، بعد ثلاثة أشهر فقط من مصادقتها على 44 مشروعاً بقيمة 86.36 مليار درهم، فإن النقاش لا يبقى محصوراً في دينامية الاستثمار، بل ينتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: أين وصلت المشاريع السابقة؟ ومن يستفيد فعلاً من خريطة الامتيازات؟ ومن يراقب الأثر بعد توقيع الاتفاقيات؟
تفيد المعطيات الرسمية بأن الدورة الحادية عشرة للجنة الوطنية للاستثمارات صادقت على 29 مشروع اتفاقية و9 ملاحق اتفاقية، في إطار نظام الدعم الأساسي للاستثمار، بقيمة إجمالية تقارب 42 مليار درهم.
ويرتقب أن تساهم هذه المشاريع في إحداث حوالي 9800 منصب شغل مباشر وغير مباشر، منها 2400 منصب مباشر و7400 منصب غير مباشر، موزعة على 16 إقليماً وعمالة داخل 6 جهات بالمملكة.
غير أن قوة الرقم لا تكفي وحدها لصناعة الحصيلة. فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى معرفة حجم الاستثمارات المصادق عليها، بل يحتاجون أيضاً إلى معرفة ما تحقق منها فعلاً، وما حجم الدعم والتحفيزات التي ستواكبها، ومن هي المقاولات المستفيدة، وما طبيعة الالتزامات التي وقعتها، وما الآجال المحددة للإنجاز، وما الجزاءات الممكنة في حال عدم احترام التعهدات.
هنا تكمن النقطة الحساسة، فـ42 مليار درهم ليست دعماً مباشراً من خزينة الدولة، بل قيمة استثمارية للمشاريع المصادق عليها. غير أن هذه المشاريع تدخل، بدرجات مختلفة، ضمن منظومة دعم وتحفيزات وامتيازات أقرها ميثاق الاستثمار الجديد.
ولذلك يصبح السؤال مشروعاً حول حجم الكلفة العمومية الفعلية لهذه المشاريع، وحول المقابل الاجتماعي والترابي الذي ستجنيه الدولة والمواطنون من هذه الاختيارات.
وتزداد أهمية هذا السؤال حين نستحضر الدورة العاشرة للجنة نفسها، المنعقدة في أبريل الماضي، والتي صادقت على 44 مشروعاً بقيمة 86.36 مليار درهم، مع وعود بإحداث حوالي 20 ألفاً و500 منصب شغل، منها 9000 منصب مباشر.
يومها قُدمت الأرقام باعتبارها مؤشراً على قوة الميثاق الجديد وقدرته على تحريك الاستثمار، لكن بعد مرور ثلاثة أشهر لا تظهر في الفضاء العمومي معطيات دقيقة حول نسب تقدم تلك المشاريع، ولا حول الجهات التي استفادت أكثر، ولا حول عدد الاتفاقيات التي دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.
لا تكمن الإشكالية في الاستثمار، بل في ما بعد الإعلان. فالبلاغات الرسمية تعلن عن مليارات، وقطاعات، وجهات، ومناصب شغل، لكنها لا تقدم دائماً لوحة قيادة مفتوحة تسمح بتتبع مسار كل مشروع، من لحظة المصادقة إلى لحظة التشغيل.
وبين توقيع الاتفاقية وافتتاح المصنع أو المنشأة، تضيع أحياناً الأسئلة الأساسية: هل انطلق المشروع؟ هل احترمت الآجال؟ هل خلق المناصب المعلنة؟ هل استفاد من العقار أو الإعفاءات أو المنح؟ وهل حقق الأثر الذي بُنيت عليه المصادقة؟
وتتوزع مشاريع الدورة الحالية على 13 قطاعاً، من بينها السياحة والترفيه، والصناعة الغذائية، والصناعة الكيميائية وشبه الكيميائية، والبنيات التحتية للموانئ، وصناعة الطيران، واللوجستيك، والتجارة والتوزيع، والمواصلات، وتحويل وتثمين النفايات، والطاقات المتجددة.
وتتصدر الصناعة الغذائية قائمة القطاعات الأكثر إحداثاً لمناصب الشغل، تليها الصناعة الكيميائية وشبه الكيميائية، ثم صناعة الطيران.
لكن قوة القطاعات لا تلغي سؤال العدالة المجالية. فالدورة الحالية تهم 6 جهات فقط، بعدما كانت الدورة السابقة قد شملت 10 جهات.
وهذا المعطى يفرض نقاشاً أعمق حول ما إذا كان ميثاق الاستثمار الجديد ينجح فعلاً في إعادة توزيع الجاذبية الاقتصادية على المغرب العميق، أم أن جزءاً كبيراً من الدينامية الاستثمارية لا يزال يدور حول المجالات نفسها القادرة أصلاً على جذب الرساميل والبنيات التحتية والكفاءات.
كما صادقت اللجنة، في إطار نظام الدعم الخاص المطبق على مشاريع الاستثمار ذات الطابع الاستراتيجي، على 3 مشاريع بقيمة 8.4 مليار درهم، يفترض أن تحدث أكثر من 2700 منصب شغل مباشر، وتهم صناعة السيارات الكهربائية، وصناعة الطيران، والنسيج. كما منحت الطابع الاستراتيجي لـ3 مشاريع أخرى بقيمة تفوق 29 مليار درهم، مع وعد بإحداث أزيد من 1100 منصب شغل مباشر.
هذه الأرقام تفتح مفارقة لافتة، مشاريع ضخمة بعشرات المليارات، لكنها لا تعد إلا بعدد محدود نسبياً من المناصب المباشرة.
وهذا لا يعني بالضرورة ضعف جدواها، لأن بعض الصناعات الحديثة تكون كثيفة الرأسمال والتكنولوجيا أكثر من كثافتها التشغيلية.
لكنه يفرض على الحكومة أن تشرح بوضوح طبيعة القيمة المضافة المنتظرة: هل يتعلق الأمر بنقل التكنولوجيا؟ بتعزيز السيادة الصناعية؟ بتوسيع الصادرات؟ بتقوية سلاسل الإنتاج؟ أم فقط بجذب استثمارات كبرى يصعب على المواطن قياس أثرها المباشر؟
الأكثر أهمية أن رئيس الحكومة تحدث عن توقيع 391 اتفاقية استثمار منذ دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، بحجم إجمالي بلغ 520 مليار درهم.
وهذا رقم كبير بما يكفي ليفرض مستوى أعلى من الشفافية. فبعد هذا الحجم من الاتفاقيات، لم يعد كافياً الإعلان عن المصادقة، بل أصبح ضرورياً نشر حصيلة تنفيذية مفصلة، تكشف عدد المشاريع التي انطلقت، وعدد المشاريع التي تأخرت، وعدد المشاريع التي خلقت الشغل فعلاً، وحجم التحفيزات الممنوحة، وتوزيع الاستفادة حسب الجهات والقطاعات والمقاولات.
فالدولة حين تمنح تحفيزات باسم الاستثمار، فهي لا تمنح امتيازاً بلا مقابل.
إنها تراهن على خلق الشغل، وتوسيع القاعدة الصناعية، وتقوية النسيج الإنتاجي، وتحقيق أثر تنموي ملموس.
لذلك، فإن مراقبة هذه التحفيزات ليست ترفاً سياسياً، بل جزء من صميم الحكامة الاقتصادية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
من هذه الزاوية، تبدو الدورة الحادية عشرة للجنة الوطنية للاستثمارات أكثر من مجرد خبر اقتصادي عابر.
إنها محطة تكشف اتساع الفجوة بين سرعة المصادقة على المشاريع وبطء النقاش العمومي حول أثرها.
فبين 86.36 مليار درهم في أبريل ونحو 42 مليار درهم في يوليوز، تتراكم الأرقام الكبرى، لكن السؤال يبقى معلقاً: هل تتحول هذه المليارات إلى تنمية وفرص شغل، أم تبقى حصيلة قوية في البلاغات وضعيفة في التتبع؟
لا أحد يجادل في حاجة المغرب إلى استثمارات كبرى، ولا في أهمية ميثاق الاستثمار الجديد لجذب المشاريع المهيكلة.
لكن الاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بما يُعلن داخل الاجتماعات، بل بما يظهر على الأرض: مصانع تشتغل، مناصب شغل مستقرة، جهات تستفيد، ومواطنون يلمسون الأثر.
أما أن تتوالى الأرقام، من 86.36 مليار درهم في أبريل إلى نحو 42 مليار درهم في يوليوز، دون منصة عمومية دقيقة تكشف من استفاد، وبماذا استفاد، وماذا أنجز، فذلك يجعل السؤال أكبر من الاستثمار نفسه: من يراقب خريطة الدعم والتحفيزات؟ ومن يضمن أن تتحول المليارات المعلنة إلى مشاريع قائمة وفرص شغل حقيقية، لا إلى وعود أنيقة فوق ورق رسمي؟
