صادق مجلس الحكومة، المنعقد اليوم الخميس 2 يوليوز 2026، على مشروع القانون رقم 047.26 المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، الذي قدمه وزير الداخلية، في خطوة تحمل أبعاداً مؤسساتية تتجاوز حدود إعادة التنظيم الإداري لمرفق عمومي متخصص في إنتاج المعطيات الإحصائية.
ويهدف هذا المشروع، وفق بلاغ رسمي صادر عن الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، إلى إقرار إصلاح جوهري للمندوبية السامية للتخطيط، عبر تحويلها إلى هيئة للحكامة الجيدة، استناداً إلى أحكام الفصل 159 من الدستور، مع تمتيعها بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي.
وتكتسي هذه الخطوة أهميتها من طبيعة المؤسسة المعنية بالإصلاح. فالمندوبية السامية للتخطيط ليست إدارة عادية داخل البنية العمومية، بل جهاز مركزي في إنتاج المعلومة الإحصائية، وإعداد الحسابات الوطنية والجهوية والقطاعية، وتوفير المعطيات التي تستند إليها الدولة في قراءة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية.
غير أن المشروع الجديد لا يكتفي بإعادة تأطير المهام التقليدية للمندوبية، بل يفتح أمامها اختصاصات أوسع، من بينها دعم التنسيق الاستراتيجي لسياسات التنمية، بما ينسجم مع النموذج التنموي الجديد، واعتماد وسائل حديثة للتتبع والتقييم، مع استحضار البعد الجهوي والترابي في ممارسة المهام المسندة إليها.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر فقط بتحويل قانوني في وضعية مؤسسة إحصائية، بل بإعادة تموقع مؤسسة الرقم داخل منظومة القرار العمومي.
فالرقم الرسمي لم يعد مجرد معطى تقني يُنشر في تقارير دورية، بل أصبح أداة أساسية في تقييم السياسات العمومية، وقياس أثرها، ومساءلة الاختيارات الحكومية أمام الرأي العام والمؤسسات.
وتطرح هذه المصادقة سؤالاً محورياً حول طبيعة الاستقلالية التي سيمنحها النص الجديد للهيئة المرتقبة.
فالقيمة الحقيقية لأي إصلاح من هذا النوع لا تقاس فقط بمنح الشخصية الاعتبارية أو الاستقلال المالي والإداري، بل بمدى قدرة المؤسسة على إنتاج ونشر معطيات دقيقة، منتظمة ومحايدة، وفق قواعد علمية واضحة ومنهجيات قابلة للتتبع.
كما أن إسناد مهام التتبع والتقييم إلى الهيئة الجديدة يضعها أمام مسؤولية أكبر، لأن تقييم السياسات العمومية لا يمكن أن يتحول إلى تمرين تقني معزول عن سؤال الفعالية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمغرب، الذي يرفع شعار الدولة الاجتماعية والنموذج التنموي الجديد، يحتاج إلى مؤسسة قادرة على قياس الفوارق المجالية، وتتبع أثر البرامج العمومية، ورصد المسافة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة.
ولذلك، فإن المسار التشريعي لهذا المشروع داخل البرلمان سيكون حاسماً في تحديد ملامح الهيئة الجديدة.
فالنقاش لا ينبغي أن ينحصر في الصياغة القانونية العامة، بل يجب أن يمتد إلى ضمانات الاستقلالية، وآليات التعيين، وحرية النشر، وحماية المنهجية العلمية، وواجب الإدارات والمؤسسات العمومية في توفير المعطيات داخل آجال واضحة، وبطريقة منتظمة وشفافة.
مصادقة الحكومة على مشروع القانون رقم 047.26 تمثل بداية مسار، لا نهايته. فالقانون لم يدخل بعد حيز التنفيذ، وما زال في حاجة إلى المرور عبر المسطرة التشريعية قبل أن يتحول إلى إطار قانوني ملزم.
لكن أهمية هذه الخطوة تكمن في كونها تضع المندوبية السامية للتخطيط أمام تحول مؤسساتي قد يعيد تحديد علاقة الدولة بالرقم، وعلاقة السياسات العمومية بالتقييم، وعلاقة الخطاب الرسمي بواقع المؤشرات.
في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو ألا يتحول الإصلاح إلى مجرد تغيير في التسمية أو الشكل القانوني.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى هيئة جديدة تحمل عنوان الحكامة الجيدة، بل إلى مؤسسة مستقلة وفعالة، قادرة على حماية صدقية الإحصاء العمومي، وتعزيز جودة المعلومة الإحصائية، وجعل الرقم أداة للتقييم والمساءلة، لا مجرد عنصر تقني داخل هندسة السياسات العمومية.