قبل شهرين فقط، فتحت مدرسة ابن طاهر العمومية للتعليم العتيق، بشرفاء مدغرة في إقليم الرشيدية، أبوابها أمام الأسر والزوار للتعريف برسالتها العلمية والتربوية.
نظمت المؤسسة يومي 13 و14 ماي 2026 لقاءات وجولات داخل فضاءاتها التعليمية ومرافق الإيواء، وقدمت نفسها باعتبارها مدرسة تجمع بين حفظ القرآن والتحصيل الشرعي واكتساب المعارف.
بعد أسابيع قليلة، أُغلقت الأبواب نفسها، لكن هذه المرة في وجه العاملين.
نحو 30 عاملاً وجدوا أنفسهم خارج المؤسسة، وفق معطيات نشرتها منابر محلية ووطنية، من دون إشعار مسبق أو توضيح رسمي بشأن أسباب الإغلاق، ومن دون تسوية معلنة لمستحقاتهم المهنية والمالية.
خلف هذا الرقم أرباب أسر ومعيلون فقدوا مورد دخلهم بصورة مفاجئة. ويؤكد المتضررون أن بينهم حاملي شهادات جامعية، من الإجازة والماستر إلى طلبة باحثين في الدكتوراه، اشتغلوا داخل المؤسسة قبل أن يصبح مصيرهم معلقاً بقرار لم تُكشف وثيقته، ولم تُحدد الجهة التي وقّعته أو الأسباب التي استند إليها.
مدرسة ابن طاهر ليست مؤسسة مجهولة أو نشاطاً تعليمياً خارج الرقابة. اسمها مدرج ضمن مؤسسات التعليم العتيق على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كما تقدم المؤسسة نفسها عبر صفحتها الرسمية باعتبارها مدرسة عمومية للتعليم العتيق.
هنا تصبح مسؤولية الوزارة أكثر من مجرد إشراف تربوي أو مراقبة إدارية. فالقطاع يخضع للقانون رقم 13.01، ووزارة الأوقاف مسؤولة عن تنظيم التعليم العتيق العمومي وتسييره ومراقبة مؤسساته.
ومع ذلك، لم تقدم الوزارة، إلى حدود نشر المعطيات المتاحة، جواباً عن الأسئلة الأساسية: من قرر إغلاق المؤسسة؟ وما الأسباب القانونية أو التربوية أو المالية التي استند إليها القرار؟ وهل يتعلق الأمر بإغلاق نهائي أم مؤقت؟ وما مصير العاملين والطلبة والمستحقات والمنح المرتبطة بها؟
وزارة الأوقاف مطالبة أيضاً بالكشف عن طبيعة العلاقة المهنية التي كانت تربط هؤلاء بالمؤسسة. فإن كانوا أجراء، فأين الإشعار والمستحقات والتعويضات المترتبة عن إنهاء عملهم؟ وإن كانوا يتقاضون مكافآت في إطار دعم التعليم العتيق، فكيف تحول عمل تربوي مستمر لسنوات إلى علاقة هشة يمكن إنهاؤها من دون حماية أو ضمانات اجتماعية؟
الصمت هنا ليس تفصيلاً إدارياً. حين تُغلق مؤسسة تعليمية عمومية، ويُدفع عشرات العاملين وأسرهم إلى المجهول، يصبح غياب التوضيح موقفاً إدارياً وسياسياً يستوجب المساءلة.
المتضررون لا يطالبون بامتيازات استثنائية؛ إنهم يطالبون بالكشف عن القرار الذي أنهى عملهم، وتحديد المسؤول عنه، وتسوية مستحقاتهم، أو إيجاد بدائل مهنية تحفظ كرامتهم وتحمي أسرهم من السقوط المفاجئ في العطالة.
وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، مطالب اليوم بتقديم جواب واضح: هل أصدرت وزارته قرار الإغلاق؟ ومن وقّعه؟ ولماذا نُفذ من دون تسوية مسبقة لوضعية العاملين؟ وهل فتحت الوزارة تحقيقاً في ملابساته وآثاره الاجتماعية؟
مدرسة احتفت في ماي برسالتها العلمية وفتحت مرافقها أمام الزوار، أُغلقت بعد أسابيع، ووجد نحو 30 عاملاً أنفسهم بلا عمل، بينما بقي القرار بلا وثيقة معلنة والمسؤول بلا اسم.
في مؤسسة عمومية تُدرّس القيم وتصون القرآن… من يحمي كرامة أهل القرآن حين تُغلق أبواب الرزق؟
